
الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الخميس 27/3/2025 العدد 1270
الصحافة الاسرائيل– الملف اليومي
افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات
هآرتس/ ذي ماركر 27/3/2025
محافظ بنك إسرائيل واقتصاديون: الميزانية الجديدة قنبلة موقوتة.. نطلق النار على أنفسنا
بقلم: يردين بن غال هيرشهورن
تم المصادقة على ميزانية الدولة أول أمس، كان يبدو أن متخذي القرارات في إسرائيل سيستريحون ولو للحظة. في الحقيقة، هذه ميزانية أحكام قاسية، لكن صودق عليها مع عجز أقل بقليل من 5 في المئة. هو يكفي لتمويل تكلفة الحرب حتى الآن والبدء في مهمة إعادة الإعمار، من خلال إعادة الاقتصاد في إسرائيل إلى سكة الثبات.
تقرير بنك إسرائيل الذي سينشر اليوم، بعد أقل من 24 ساعة من المصادقة على الميزانية، يوضح أن من يعتقد ذلك فإنه يعيش في وهم.
في الفترة التي تُنتقد فيها الحكومة، الانتقاد المبرر من جهة مهنية، قد يؤدي إلى اعتباره عدواً للشعب. التقرير السنوي للبنك المركزي يعلن بلغته المهذبة أن على متخذي القرارات العمل بصعوبة أكثر مما عملوا حتى الآن لإعادة الاقتصاد إلى المكان الذي كان فيه قبل الحرب. يدرك بنك إسرائيل ذلك من المؤشر الأساسي للاستدامة المالية – نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، التي قفزت منذ تشرين الأول 2023.
الحرب أعادت إسرائيل إلى الوراء
حسب تحليل الاقتصاديين في البنك، فإن التخفيضات ورفع الضرائب ستكون كافية على الأكثر لتغطية زيادة تكاليف الحكومة التي لحقت وستلحق بسبب الحرب، التغطية ليس إلا. بهذه الصورة، فإن نسبة الدين إلى الناتج قد تتوقف عن الصعود، لكنها لن تنخفض. سبب ذلك مزدوج: جزء من الأحكام في ميزانية 2025 مؤقت، وسينتهي قريباً إذا لم يتم تجديدها، والنفقات غير الأمنية ربما تزداد.
لكن ليس كل شيء يرتبط بالأموال؛ فـ”ارتفاع عبء الخدمة العسكرية، لا سيما خدمة الاحتياط، سيواصل جبي ثمن اقتصادي باهظ”، كتب في مقدمة تقرير محافظ بنك إسرائيل، البروفيسور أمير يارون. من هنا، هو يصل إلى استنتاج آخر يؤكده، وهو أن طريقة خفض هذا السعر، حسب قوله، هي دمج مجموعات سكانية أخرى في الخدمة العسكرية – هذه أقوال موجهة من أجل الحاجة إلى تجنيد الحريديم.
عدم المساواة في تحمل العبء ليس مشكلة أخلاقية أو اجتماعية فقط، بل يشمل أيضاً ضعف دمج الشباب الحريديم في سوق العمل. ويتضح من التقرير أن عدم مشاركة الرجال الحريديم في تحمل العبء في الجيش وتحمل العبء الاقتصادي في إسرائيل، لا سيما في هذه الفترة، هو العائق الرئيسي أمام إسرائيل في الطريق إلى تحسين الوضع الاقتصادي بعد الحرب.
مستوى التشغيل المنخفض في أوساط الرجال الحريديم يغذيه نظام التعليم الحريدي، الذي لا يوفر للخريجين المهارات المطلوبة للاقتصاد الحديث – وهي قضية أبرزها التقرير – وبواسطة مليارات الشواقل في ميزانية الدولة التي تموله وتمول تعليم طلاب التوراة الحريديم كل سنة. ولكن الاعتبارات الائتلافية تفوق الاعتبارات الاقتصادية. والميزانية الجديدة لا تعمل إلا على تشجيع هذا الوضع. لكن في الواقع، لا يمكن تعريف ذلك إلا أنه بمثابة إطلاق اقتصاد إسرائيل النار على قدمه.
في التقرير، وجه بنك إسرائيل انتقاداً لسياسة الحكومة في كل ما يتعلق بالشباب الحريديم، في المقام الأول تمويل عدم عمل الشباب الحريديم وغياب تعليم المواضيع الأساسية. بيانات التشغيل المتدنية للرجال الحريديم تعكس “محفزات اقتصادية تعطى لمن يمكنهم العمل ولكنهم لا يعملون”، كتب في التقرير. وفي الوضع الحالي “تم إعطاء تمويل عام كبير جداً لمؤسسات لا تعلم المواضيع الأساسية”.
التحديات التي نشأت عقب الحرب، أشار المحافظ، أضيفت إلى مشكلات واجهت الاقتصاد قبل الحرب ولم يغيرها. الآن علاج المشكلات الرئيسية في إسرائيل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. “المستوى الأعلى لنفقات الدفاع في المستقبل القريب، وضرورة الحفاظ على هامش مالي، تؤكد بدرجة أشد على ضرورة التكيف حتى في تركيبة نفقات الحكومة، التي ستعكس سلم أولويات مناسباً لتحديات الاقتصاد”، كتب المحافظ في التقرير.
في مكان آخر في التقرير، شرح الاقتصاديون أن التعديلات التي أجرتها الحكومة حتى الآن، بما في ذلك ميزانية 2025 الغضة، لا تناسب تحديات الاقتصاد. وعلى المدى المتوسط والبعيد، ما لم يتم تنفيذ خطوات مهمة أخرى فقد تجر سياسة الحكومة الاقتصادية إسرائيل إلى الفساد أو التدهور الاقتصادي.
لا توجد زيادة في النجاعة ولا خطوات تشجع على النمو
حسب بنك إسرائيل، بلغت تكلفة الحرب في ميزانية 2023 – 2024، وهي إجمالي تكلفة الحرب التي أضيفت إلى الميزانية الأصلية لسنة 2023، 135 مليار شيكل. ويضاف إلى ذلك ما تم دفعه من صندوق ضريبة الأملاك كتعويض مباشر وغير مباشر عن أضرار الحرب، 19 مليار شيكل. زيادة النفقات الحادة تم تمويلها بالأساس بواسطة زيادة عجز الميزانية، الذي بلغ في 2024، 6.8 في المئة من الإنتاج. ويقدر البنك أن النفقات العامة على المدى المتوسط (2026 – 2030) ربما تزداد 50 مليار شيكل في السنة، مقارنة مع تقديره قبل الحرب.
بقول بنك إسرائيل بصراحة إن خطوات التقليص في ميزانية 2025 هي في جانب المداخيل، وعلى رأسها أحكام اقتصادية على المواطنين العاملين، مثل زيادة ضريبة القيمة المضافة ورسوم التأمين الوطني، وأيضاً الضريبة الجديدة على الأرباح غير الموزعة للشركات، ولكن لن يتم فيها دمج خطوات زيادة النجاعة في النفقات العامة المدنية، مثلاً بواسطة إغلاق وزارات حكومية أو بواسطة خطوات تشجع على النمو مثل تقليص المحفزات للشباب الحريديم الذين لا يعملون.
وعلى المدى المتوسط (2026 – 2030) حذر اقتصاديو البنك من أن لا يساهم التقليص في الميزانية الحالية في تغطية الارتفاع الذي سببته الحرب في العجز، لأن خطوات كثيرة تبدو مؤقتة، ولن تكون سارية المفعول إلا في السنتين القادمتين، مثل زيادة مدفوعات العاملين والمشغلين للتأمين الوطني، وتقليل الأجور في القطاع العام – التي قد تبلغ 10 مليارات شيكل في السنة معاً – التي ستنتهي في بداية العام 2027.
-------------------------------------------
هآرتس 27/3/2025
لكسر حماس: إصرار على خطة ويتكوف ومصر تراهن على الوقت.. وإسرائيل: هكذا قال ترامب
بقلم: حاييم لفنسون
مر شهر منذ الدفعة الأخيرة لإعادة المخطوفين، وما زالت المفاوضات بين إسرائيل وحماس عالقة. قبل أسبوعين، كانت جميع الأطراف متفائلة بدفعة أخرى ومعها وقف لإطلاق النار إلى ما بعد عيد الفصح، لكنه تفاؤل تلاشى. من ناحية الأمريكيين، على الطاولة صفقة واحدة لا يمكن مناقشتها: خطة ويتكوف لإطلاق سراح نصف المخطوفين الآن، وإجراء المفاوضات على المرحلة الثانية أثناء وقف إطلاق النار واستئناف إدخال المساعدات الإنسانية. إذا أرادت حماس فليكن، وإذا لم ترغب فلتفعل إسرائيل ما تريد.
في صفقة التبادل تعهد الطرفان بالبدء في المفاوضات في اليوم الـ 16، لكنه اتفاق من أيام بايدن. عندما عاد ترامب، حرر نتنياهو -لأسباب سياسية- نفسه من الاتفاق. ولأن ديرمر التقى مع ويتكوف وقال له بأن شرط إسرائيل لإنهاء الحرب هو مغادرة قادة حماس لغزة، فقد لبت شرط بدء المفاوضات حول المرحلة الثانية.
لقد توقعت قطر وحماس عقد جلسات طويلة وجدية، ورغبة في جسر الفجوات بين الطرفين. ولكن الدوحة اكتشفت أنه خلافاً لدادي برنياع، لا مصلحة لديرمر في ذلك. هو لا يتحدث أبداً مع القطريين، ولا اهتمام له بالمفاوضات. في هذه المرحلة، علقت الصفقة. جذر الخلاف مع حماس هو في مطالبتها “ضمانات” مع إعادة آخر المخطوفين بألا تخرق إسرائيل تعهداتها وتحتل قطاع غزة وتشتت سكانه في كل الأرجاء. وتطالب حماس بأن تقترن المرحلة الثانية بقرار لمجلس الأمن يفيد بإيقاع عقوبة على من من يخرقها، وهو قرار لا يمكن إلغاؤه بسبب فيتو روسي وصيني. وهو طلب لا تقبله إسرائيل ولا الولايات المتحدة.
لتحريك المفاوضات وإنقاذ أكبر عدد من الأحياء، عرض ويتكوف أن تطلق حماس سراح 11 مخطوفاً – بالطبع مقابل إطلاق سراح سجناء – ثم يرى الأمريكيون سلوكها برضى وسينخرطون في مفاوضات جدية، لها معنى وبدون ضمانات، وهذه المرة بشكل حقيقي. لمحت حماس بنيتها الموافقة، لكنها فاجأت برد سلبي في نهاية المطاف، وعرضت الإفراج فقط عن المواطن الأمريكي عيدان ألكسندر وجثامين أربعة مواطنين أمريكيين مقابل تعهد الأمريكيون بالانخراط في مفاوضات جدية.
لم تنجح المناورة. ولم تنجح حماس في دق إسفين بين إسرائيل والولايات المتحدة. أمريكا وإسرائيل كل منهما تدعم موقف الأخرى. المخطوفون أولاً والمحادثات لاحقاً. قطر يئست من القدرة على التأثير على حماس. ودخلت مصر إلى هذا الفراغ، وتضغط بشدة على حماس كي تلين موقفها وتعود إلى مسار الصفقة. ستكون مصر مسرورة لوضع إصبع في عين قطر، وتقديم إنجاز للأمريكيين، ولكن بدون فائدة حتى الآن. مصدر عربي مطلع على تفاصيل المفاوضات، قال للصحيفة بأن حماس مصممة على الحصول على “ضمانات” لإنهاء الحرب. وتعرض عليهم مصر صياغات قد ترضيهم، لكن حسب المصريين، فإن الأمريكيين لا يظهرون أي مرونة، ويركزون على خطة ويتكوف. وأشار المصدر نفسه إلى أن “ويتكوف وطاقمه استنتجوا بأنه يجب إعطاء ذلك القليل من الوقت لكسر تصميم حماس، وبهذه الطريقة يمكن التقدم”.
ربما يكون نتنياهو راضياً. الميزانية تمت المصادقة عليها، وصفقة المخطوفين التي هزت حكومته في كانون الثاني باتت الآن ذكرى بعيدة. وبن غفير عاد، وسموتريتش راض، وجدعون ساعر أصبح في الداخل. لذا يمكن مواصلة الإبحار بهذه الطريقة لأسابيع أخرى، حتى موجة الضغوط القادمة من واشنطن.
-------------------------------------------
إسرائيل اليوم 27/3/2025
لا تضيعوا مبادرة ترامب.. تهجير الغزيين أولى الخطوات نحو الإقليم الجديد
بقلم: مئير بن شباط
قال رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل هذا الأسبوع إن استئناف القتال في قطاع غزة لم يأت لغرض الضغط في المفاوضات، بل استمراراً لحملة الثأر الإسرائيلية على هجمة 7 أكتوبر ولتنفيذ خطة تهجير السكان الفلسطينيين. واتهم العدوان الإسرائيلي -بإسناد من إدارة ترامب- بأنه يستهدف تثبيت التفوق الإقليمي لإسرائيل، ودعا إلى رد عربي إسلامي يتضمن صراعاً سياسياً وإعلامياً يرفض فكرة “التهجير”.
ولكن طريقة عمل إسرائيل منذ استئناف القتال تدل على أنها تقصد الدفع قدماً بالمفاوضات وانتزاع صفقة محدودة أخرى من حماس تؤدي إلى تحرير مخطوفين آخرين، دون التعهد بإنهاء الحرب. الأعمال الجارية في إطار العملية العسكرية تخدم الأهداف الأخرى للحرب: تقويض حكم حماس وتدمير قدراتها.
على خلفية الخطوات العسكرية، فإن القرار “البيروقراطي” الذي اتخذه الكابنيت للأمن القومي – إقامة مديرية للهجرة الطوعية لسكان غزة – يفترض أن يرمز إلى الاتجاه الاستراتيجي الذي تسير فيه إسرائيل، كونه يبعث قلقاً عميقاً في حماس ويواصل هز زعماء المنطقة. في نظر إسرائيل، فإن إقامة المديرية خطوة حيوية لضمان عدم شطب مبادرة ترامب عن جدول الأعمال ولترجمة الرؤية إلى خطة عملية.
ترسم مبادرة ترامب لإسرائيل صورة إنهاء ينبغي لها أن تتطلع إليها إزاء غزة: تجريد هذه المنطقة من القدرات العسكرية (القوة المقاتلة، السلاح، وسائل وقدرات الإنتاج)، ونزع الحكم من أيدي حماس، وتفويض بناها التحتية التنظيمية، والعنصر الثالث هو الهجرة الطوعية للسكان من غزة المدمرة إلى دول يمكنهم العيش فيها في ظروف مناسبة.
إن البيانات المنسجمة التي تخرج عن البيت الأبيض عن تمسك الرئيس ترامب برؤياه وعن رفض مبادرات أخرى طرحتها الدول العربية تدل على جدية نواياه. هكذا أيضاً تصريح مستشار الأمن القومي مايك والتز، هذا الأسبوع بأنها فكرة “عملية جداً”. على هذه الخلفية، إسرائيل ملزمة بتفعيل كل ما يلزم لتحقيق المبادرة والأفضل في الظل ومع إبقاء القيادة في أياد أمريكية.
تحت رعاية إدارة ترامب وفي ظل الفرص الجديدة التي نشأت في الشرق الأوسط الجديد، من الصواب الدفع قدماً بحلول لأولئك الذين يتوقون الآن لمغادرة غزة النازفة، لكنهم عالقون فيها. وجود مثل هذا المسار، إلى جانب أصوات النقد التي بدأت تنطلق في الميدان، ستخدم الرغبة في تشديد الضغط على حماس التي يفترض بأن قيادتها في القطاع تتعاطى مع ذلك في هذه اللحظة كتهديد نظري ينبع خطره من طرحه ومن كونه مانعاً لمبادرات أخرى – وليس من فرص تحققه.
إن النهج الواعي لترامب يوفر فرصة تاريخية لتغيير جذري في غزة، تغيير ينخرط في الخطوة الأكبر لخلق نظام إقليمي جديد. محظور السماح لهذا أن يغرق في عقدة المشاكل الأخرى التي تملأ جدول أعمالنا.
-------------------------------------------
هآرتس 27/3/2025
هل تصطدم استراتيجية إسرائيل في سوريا بالتطلعات الأمريكية؟
بقلم: تسفي برئيل
في البلدة الصغيرة كويا في محافظة درعا على الحدود بين سوريا والأردن، تطورت أمس مواجهة دموية قتل فيها ستة مواطنين سوريين. وفقاً للبيانات القصيرة الإسرائيلية، جاء أن طائرات سلاح الجو هاجمت مسلحين أطلقوا النار على قوات الجيش الإسرائيلي. شهادات سكان البلدة كانت أكثر تفصيلاً، التي بحسبها ووجهت قوات الجيش الإسرائيلي بمواطنين “مسلحين بسلاح للدفاع عن النفس” كانا في الطريق إلى حقليهما.
الجنود الذين حاولوا تجريد السكان من السلاح ووجهوا بالمعارضة، و”كان الرد فورياً”، أطلق الجنود النار مباشرة على المواطنين وقتلوهما”، قال الصحافي معتز حشيش، وهو من أبناء البلدة، لموقع “رصيف 22” اللبناني. “حاولت الدورية الإسرائيلية الانسحاب باتجاه القرية، لكن سكان القرية المسلحين عندها خرجوا ضدها وبدأت المرحلة التالية للتصعيد. دبابات إسرائيلية كانت تنتشر في قاعدة الجزيرة قرب المكان قصفت القرية. ثم جاءت طائرات مسيرة وقصفت تجمعات المدنيين. وقتل نتيجة ذلك ستة أشخاص وأصيب عشرة. هذا تطور دفع الكثير من سكان القرية إلى الهرب خوفاً من استمرار المعارك”.
يصعب تأكيد هذا التقرير، لكن هذه المواجهة المحلية الصعبة أثارت أصداء، إعلامية وسياسية، بما في ذلك بيانات تنديد شديدة من الأردن والسعودية وتركيا، وبالطبع النظام الجديد في سوريا، وكلها تشير إلى الإمكانية لمواد متفجرة كامنة في نشاطات إسرائيل في سوريا.
بعد سقوط نظام الأسد، سارعت إسرائيل إلى احتلال المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا في هضبة الجولان، كما تم تحديدها في اتفاق الفصل من العام 1974. الهدف العلني منع تركز التنظيمات الإرهابية في المنطقة القريبة من إسرائيل ما لم يكن هناك جيش سوري منظم يشرف على الحدود، أو قوات دولية أخرى، روسية أو تابعة للأمم المتحدة، التي أشرفت على المنطقة في فترة حكم الأسد. ولكن حجم سيطرة إسرائيل على مناطق في سوريا وتصريحات وزير الدفاع يسرائيل كاتس ببقاء “الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية لفترة غير محدودة. ولن نكون مرهونين بالآخرين للدفاع عن أنفسنا، ولن نسمح لقوات معادية بالتمركز في هذه المنطقة”. وتشير تصريحات جهات إسرائيلية رفيعة أخرى إلى نية بعيدة المدى قد تجعل إسرائيل تواجه النظام في سوريا، بل تركيا، وربما الولايات المتحدة لاحقاً.
إلى جانب نية ترسيخ “منطقة عازلة” نظيفة على طول خط الحدود في هضبة الجولان، تُفسر نشاطات إسرائيل كنية لخلق “حزام أمني” مدني وليس فقط عسكرياً، لتجنيد السكان الدروز الذين يتركزون في مدينة السويداء كقوة مستقلة ستمنع وتكبح نشاطات التنظيمات المعادية، وهكذا تحبط طموحات الرئيس أحمد الشرع إلى إقامة دولة سورية موحدة. اقتراح السماح للدروز بالعمل في إسرائيل والمساعدات الإنسانية التي تدخلها إسرائيل إلى قرى المنطقة ونشاطات ضباط الاستخبارات الذين يجرون اتصالات مع زعماء محليين، تعزز الشعور بأن الأمر يتعلق بعملية بعيدة المدى، تذكر بطبيعة “المنطقة الأمنية” التي أقيمت في لبنان في فترة حرب لبنان الأولى.
لكن خلافاً للبنان، الذي لم يكن فيه الحكم المركزي قائماً في فترة الحرب، ففي سوريا نظام جديد يحاول تأسيس دولة موحدة استناداً إلى مساعدة تركيا، اقتصادياً وعسكرياً، ودعم السعودية وقطر. من هنا، فإن الاستراتيجية الإسرائيلية التي تعمل على استغلال البنية الطائفية كي تبني لنفسها مراكز نفوذ، وربما سيطرة، قد تجد نفسها في مواجهة مع قوات إقليمية ودولية.
صرح الشرع عند تسلم منصبه بأنه لا نية له بخوض حرب مع إسرائيل، وأن مهمته إعادة إعمار سوريا بعد عشرات السنين من ديكتاتورية عائلة الأسد. تركيا التي ساعدت الانقلاب ضد الأسد، عسكرياً وتخطيطاً، كانت أول من وقف في قصر الرئاسة بدمشق وعرض المساعدة؛ ليس في إعادة الإعمار الاقتصادي فحسب، بل بناء جيش جديد ومدرب وحتى توفير سلاح متقدم له. أول زيارة خارجية للشرع كانت إلى الرياض، وتعانق مع الحاكم محمد بن سلمان الذي تعهد بالتبرع بسخاء لإعادة إعمار الدولة. أما قطر فأرسلت مساعدات إنسانية، وهي تنوي دفع جزء كبير من رواتب الإدارة والجيش السوري.
الاتحاد الأوروبي علق العقوبات التي فرضت على نظام الأسد لمدة سنة، ما سمح للشركات في سوريا والبنوك بعقد الصفقات معه، في حين رفعت الولايات المتحدة جزءاً من العقوبات لنصف سنة، وتنوي الإعلان عن رفع جزء آخر منها. وكالة “رويترز” نشرت هذا الأسبوع بأنه لقاء أول بمستوى رفيع جرى قبل أسبوعين تقريباً في فترة ترامب بين مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون سوريا والمشرق نتاشا فرنسيسكو، وبين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، حيث نقلت له قائمة شروط الإدارة الأمريكية من أجل رفع العقوبات.
من بين هذه الشروط مطالبة واشنطن تشكيل حكومة تمثيلية بمشاركة “كل مركبات الشعب السوري” والحفاظ على حقوق الأقليات وإلغاء تعيين مواطنين أجانب في وظائف رفيعة في الجيش السوري، والقصد هو الشخصيات الرفيعة التي كانت شريكة للشرع في هيئة تحرير الشام وتم تعيينها كهدية على خدماتها. والشرط الثاني هو مكافحة الإرهاب. خلافاً لإسرائيل، فإن واشنطن والسعودية وتركيا ترى بنفس المنظار الطموح لإقامة دولة موحدة تحت ظل نظام واحد وليس كانتونات مستقلة، التي تعتبرها إسرائيل إمكانية كامنة لترسيخ مراكز نفوذ في سوريا.
دليل ذلك موجود في الاتفاق الذي وقع عليه مظلوم عابدي، قائد “قوات سوريا الديمقراطية”، الجسم العسكري الكردي الذي يسيطر على المحافظات الكردية في شمال سوريا، مع الشرع، الذي بحسبه سيتم دمج قواته في الجيش السوري. في الواقع، هذه وثيقة تفاهمات إعلانية أكثر منها اتفاقاً مفصلاً، ورغم أنه محدود بجدول زمني لكنه يدل على قرار استراتيجي للأكراد الذي جاء بتأثير من أمريكا.
هذا القرار يبدد طموحات إسرائيل بالاستناد إلى المحافظات الكردية كقاعدة نفوذ غير منفصل عن توجه ترامب للانسحاب من سوريا، وهكذا تحويل تركيا إلى صاحبة البيت في شمال سوريا. أول أمس، زار وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، واشنطن والتقى مع نظيره ماركو روبيو لمناقشة عدة مواضيع، من بينها بلورة سياسة مشتركة في سوريا ورفع العقوبات الأمريكية عنها. وعبرا في بيان صحافي عن دعم “سوريا موحدة ومستقرة”، وهي أقوال موجهة لكل من يحاول تأسيس دولة كانتونات مستقلة في سوريا. واستهدفت الزيارة أيضاً الإعداد للقاء الرئيس التركي اردوغان مع ترامب، الذي لم يتم تحديد موعد له حتى الآن، لكن قد يكون في القريب، وهنا ربما يواجه إسرائيل عائق جديد مركب، يصعب تحقيق طموحاتها الاستراتيجية في سوريا.
إسرائيل تعتبر تركيا دولة معادية تسعى إلى أن تحل مكان روسيا كراع عسكري لسوريا، وقد تكبح حرية عمل إسرائيل في سماء سوريا، والعمل ضد وجودها البري في هذه الدولة. قد تقول إسرائيل بأن ترامب قد يفضل مهمة “تركيا” التي تستعد لإقامة قواعد عسكرية سورية في مدينة تدمر، على ادعاء إسرائيل.
“فنان الصفقات” الأمريكي ربما يقترح تسوية مصالحة بين إسرائيل وتركيا. ولكن تصريحات إسرائيل المتبجحة وهجماتها اللفظية على الرئيس السوري، لن توصل إلى تسوية مطلوبة. ما زال الشرع شخصية “مشبوهة”، سواء في الساحة السورية الداخلية أو في المجتمع الدولي. ولكن الغطاء السياسي الدولي والعربي الذي يبنى حوله هو الذي قد يؤثر على سلوكه في مواضيع مهمة لإسرائيل – جهوده لوضع حد للتهريب بين سوريا ولبنان، وهو الموضوع الذي سيناقش اليوم في لقاء جدة في السعودية بين وزير الخارجية اللبناني ونظيره السوري، والدفع قدماً بترسيم الحدود البرية بين إسرائيل ولبنان والمرتبطة بعدد من النقاط مثل قرية الغجر ومزارع شبعا، وموافقة سوريا على التنازل عن مناطق، لا سيما العمل في المناطق القريبة جداً من الحدود مع إسرائيل في هضبة الجولان.
-------------------------------------------
معاريف 27/3/2025
75% لا يثقون بحكومته و”الكارثة تقترب”.. ونتنياهو للإسرائيليين: كلكم مشتبهون
بقلم: أون ليفي
بينما يصارع رئيس الوزراء محافل إنفاذ القانون ويسعى لإقالة رئيس “الشاباك” رونين بار بدعوى انعدام الثقة، يجدر بنا فحص الصورة الواسعة: ثقة الجمهور بمؤسسات الحكم.
معطيات معهد سياسة الشعب اليهودي من حزيران 2024 تكشف النقاب عن واقع حاد: في الوقت الذي ينطق فيه رئيس الوزراء باسم “الشعب”، فإن ربع الإسرائيليين فقط يعربون عن الثقة بحكومته. 7 من كل 10 مواطنين يعرفون ثقتهم برئيس الوزراء كمتدنية. المفارقة؟ 44 في المئة فقط من أوساط مؤيدي اليمين يعربون عن ثقتهم بالحكومة. هذا هو “حكم الشعب” في صيغته الحالية.
التضارب لاذع: هذا هو رئيس الوزراء إياه الذي أعلن بأن لا ثقة له بمحققي الشرطة الذين “حاكوا له ملفات”، الزعيم إياه الذي رفض صلاحيات الاستشارة القانونية للحكومة والنيابة العامة وجهاز القضاء. في الوضعية الحالية، تحتاج الشرطة التي لا ثقة له بها لتحقق مع نداف ارغمان. والنيابة العامة التي لا ثقة له بها تحتاج لتقرر ما إذا كانت سترفع لائحة اتهام. والمحاكم التي لا ثقة له بها تحتاج لأن تحسم. فأي جهاز حسم تبقى؟
الجواب مقلق: في “نظرية الاشتباه العام” التي يروج لها رئيس الوزراء، فإن الموالين الشخصيين هم فقط الجديرون بالثقة. كل مؤسسة رسمية تشكل كابحاً لقوته تعرض على أنها جزء من المؤامرة. هذه ليست هجمة على الناس فحسب، بل هجمة ممنهجة على فكرة توازنات وكوابح في الديمقراطية.
عندما تنشغل الحكومة بصراعات القوى، يشعر الجمهور بأن الأرض سحبت من تحت أقدامه. 82 في المئة من اليهود قلقون من وضع رص الصفوف الاجتماعية في إسرائيل، و56 في المئة يرون في الاستقطاب السياسي مصدر التوتر الرئيس. هذا استقطاب أشعله وعظمه أولئك السياسيون الذين يحذرون من مخاطره الآن.
النظرة إلى خلف الحدود أيضاً مقلقة. فـ 63 في المئة من الإسرائيليين يخشون من أن “تصبح إسرائيل منبوذة من الدول الغربية” – قلق يتعاظم مع كل مس بالمؤسسات الديمقراطية. تتحدث الزعامة عن “نصر في الحرب”، لكنها تقود إلى هزيمة استراتيجية في مكانة إسرائيل الدولية.
إسرائيل من القلائل بين الدول الديمقراطية التي ليس لها دستور نافذ. حكومة مع أغلبية ائتلافية طفيفة قد تغير قوانين أساس: أن تقيل حماة حمى، وتذل مؤسسات الرقابة. هذه مركبة تندفع في المنحدر فيما تتعطل شبكة كوابحها. فالتشكيك بشرعية أجهزة القانون ليس صراعاً سياسياً عادياً، بل حملة لإزالة الحواجز الأخيرة عن وجه الحكم المطلق. عندما ينزع رئيس الوزراء الشرعية عن الشرطة، والنيابة العامة، والمحاكم، و”الشاباك”، والمستشار القانوني، فهو يسعى عملياً إلى مكانة فوق القانون.
المشكلة تخرج عن شخصية رئيس الوزراء الحالي وتتعلق بالمبنى الذي يسمح لكل حكومة بتفكيك مؤسسات الرقابة. عندما تعرب أغلبية الجمهور عن عدم الثقة بالزعامة ولا يمكنها حماية مؤسسات الديمقراطية، فهذا إخفاق منظوماتي عميق. لسنا بحاجة لتغيير القيادة فحسب، بل إننا لنظام دستوري يحمي الديمقراطية حتى من أغلبية برلمانية مؤقتة. بدون هذا، ستستمر إسرائيل نحو التدهور، مع علم واضح في أن الكارثة تقترب.
-------------------------------------------
هآرتس 27/3/2025
الإسرائيليون المنافقون يشجعون الاحتجاج في غزة، لكنهم يدمرون احتمالية نجاحه
بقلم: جاكي خوري
النشوة التي سيطرت على وسائل الاعلام وجزء من الجمهور في إسرائيل في اعقاب الاحتجاج ضد حماس في قطاع غزة، هي فقط تؤكد على نفاق إسرائيل. فجأة يتبين أنه ليس جميع سكان القطاع يؤيدون حماس، وأنه ليس جميعهم يستحقون الموت. في إسرائيل الديمقراطية والحرة اكتشفوا أنه أيضا في غزة هناك من يتجرأ على التحدث والاحتجاج. بعد ذلك رئيس الحكومة ووزير الدفاع توجها للجمهور في غزة وطلبا طرد حماس. المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي باللغة العربية شارك أفلام عن الاحتجاج، أيضا قنوات ومواقع معروفة ابرزت ما يحدث. “هل حكم حماس سيصل الى نهايته؟”، “هل الضغط العسكري المتزايد وتعزيز الحصار اصبح لهما تأثير؟”، “هل الثورة في الطريق؟”، هكذا رددوا في الاستوديوهات.
مهم التأكيد على أن احتجاج وغضب السكان في قطاع غزة مبررة. لا يوجد أي عاقل يمكنه الصمود امام هذا الوابل من القصف والتدمير والموت بدون تمييز منذ 17 شهر وأن يبقى غير مبالي. لا يوجد أب أو أم مستعد لتجربة هذه الكارثة على جلودهم والحفاظ على الهدوء. الخروج الى الشوارع والمطالبة بانهاء الحرب والقتل هو أمر مشروع وانساني. أيضا الصرخة ضد حماس، بصفتها القوة الحاكمة في قطاع غزة منذ 2007، مفهومة ومطلوبة. تنظيم اختار شن الهجوم الاجرامي في 7 أكتوبر يجب عليه قبل أي شيء آخر أن يقدم الحساب لجمهوره، قبل القانون الدولي وقبل التداعيات النابعة من رد إسرائيل.
غريزة الانتقام لدى إسرائيل لم تتوقف في غزة. ما حدث في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية على يد آلة التدمير الإسرائيلية، بذريعة مكافحة الإرهاب وضمن ذلك ضد حماس، لا يختلف كثيرا عما يحدث في قطاع غزة. كل شيء مصنف بأنه رد على 7 أكتوبر، بما في ذلك الهجمات المتكررة على السكان المدنيين، وأيضا هجمات المستوطنين. أيضا المجتمع العربي في إسرائيل اصبح يدرك بأن فضاء الديمقراطية آخذ في التقلص – من حرية التعبير وحتى حرية التصويت. كل شيء مسموح بذريعة الامن الوطني الإسرائيلي.
حماس تعتبر بالتأكيد الاحتجاج الموجه ضدها، وكل انتقاد لها، جزء من المؤامرة التي يقوم بحياكتها كثيرون في الساحة الفلسطينية، وفي المنطقة العربية أيضا، بهدف اسقاط هذه المنظمة ومحور المقاومة. وهذا سيكون أيضا ذريعة للقمع المتوقع لهذا الاحتجاج اذا توسع، بما في ذلك استخدام السلاح الناري ضد المدنيين.
بدون صلة بالقمع واستخدام القوة، فانه في نهاية المطاف أي احتجاج، حتى في قطاع غزة، يحتاج الى أفق للنجاح. إسرائيل، بتشكيلة الحكومة الحالية، هي آخر من يمكنه أن يعطي الفلسطينيين في غزة أي أفق. بدون الأمل فان كل شيء سيبقى يراوح في المكان ويتلاشى. في إسرائيل، وربما حتى في السلطة الفلسطينية وفي بعض عواصم الدول العربية، يتوقعون خروج رؤساء الحمائل في غزة الى الشوارع كل يوم، وتسريع الاحتجاج واسقاط حماس. ولكن اذا سقط وبحق نظام حماس الوحشي، ما الذي ينتظرونه في إسرائيل؟ ماذا ينتظر نتنياهو وسموتريتش وبن غفير؟ أن يفتح الفلسطينيون الباب لاحتلال جديد. إسرائيل لا تقوم بعرض أي شيء عدا عن السيطرة على حياة الغزيين مع إدارة إدارية وتنسيق أمني، بالضبط حسب نموذج الضفة. واذا لم يرغب الغزيون في ذلك، اذا ليهاجروا طوعا الى السودان أو الصومال.
في هذا السياق يجب الإشارة الى أنه ليس فقط نتنياهو وسموتريتش وبن غفير هم الذين يتبنون هذه المقاربة، أيضا البديل كما يبدو، من بينيت وحتى غانتس ولبيد، لا يقترح على الفلسطينيين أي أفق اذا قرروا الانتفاض واسقاط حماس، وحتى اسقاط محمود عباس (أبو مازن). على الأكثر هم يعرضون عليهم انتداب عربي أو مصري، وحكم ذاتي متعثر. أي موقف آخر ينحرف عن الاجماع في إسرائيل يعتبر وصمة عار على جبين اليسار.
في إسرائيل يمكنهم مساعدة الاحتجاج وبحق اذا اعلنوا بأنه بعد عهد حماس سيكون أمل وقدرة على تغيير وجه المستقبل. ولكن المطالبة باسقاط حماس من اجل شرعنة إعادة الاحتلال، فقط تضعف من يجدون الشجاعة ويخرجون الى الشوارع المدمرة في القطاع. كل واحد يريد الخروج، يرغب في العيش بكرامة، ليس تحت نبوت حماس أو تحت حذاء إسرائيل.
-------------------------------------------
هآرتس 27/3/2025
لم يعد أحد يعيش في مخيم الاشباح جنين
بقلم: جدعون ليفي
مخيم جنين تم تدميره. 21 ألف شخص، كل سكانه، تم طردهم على يد الجيش الإسرائيلي. 200 بيت فيه وكل الشوارع تم تدميرها. 400 بيت آخر غير صالحة للعيش فيها. جرافات الهدم تواصل العمل رغم أن المخيم اصبح ملعب، كما وعد سائق الجرافة العسكرية “دوفي كردي” الذي تفاخر بافعاله. هذا كان في العام 2002. في 2025 مخيم جنين هو مخيم اشباح اكثر مما كان في حينه، البيوت والشوارع فيه أصبحت انقاض، ومياه المجاري تتدفق بينها.
لم يعد أي أحد يعيش في مخيم جنين. الجيش الإسرائيلي يطلق النار على كل شيء يتحرك. ولم يعد أي أحد يتجرأ على الاقتراب من منطقة الموت هذه. مخيم جنين مات، وسكانه اصبحوا مهجرين الى الأبد. الجيش اعلن بأنه لن يسمح بإعادة بناء أي بيت، أو حتى شارع. بالنسبة لكثير من الإسرائيليين هذا اعلان مفرح. كثيرون آخرون، يبدو الأغلبية، سيهزون الكتف بلامبالاة. خلال سنين قالوا لنا إن مخيم جنين هو “عش الدبابير”. وعندما سيتم تدمير هذا العش يمكننا الفرح. لكن تدمير هذا المخيم يعتبر جريمة حرب قبيحة بشكل خاص. من يعرفون المخيم، بالأساس سكانه، يمكنهم البكاء هذا الأسبوع.
من الجدير التوقف لحظة عند صياغة الجيش الإسرائيلي كما نشرت في هذا الأسبوع على يد ابواقه الذليلة في الصحف، الذين لم يطأ قدمهم في أي يوم المخيم إلا في سيارة عسكرية مصفحة للجيش. “تدمير المخيم استهدف ضمان حرية عمل الجيش”، شرح المراسلون، “الآن العملية تركز على البنى التحتية والهندسية”، “المخربون” قاموا ببناء المخيم باكتظاظ مع شوارع ضيقة كي يكون بالإمكان المرور فيها فقط في سيارة صغيرة”، “كل بيت تم تدميره كان بشكل محسوب وبالمكيال”، مكيال الجيش الإسرائيلي هو الأكبر على وجه الأرض، ليس “المخربين” هم الذين بنوا المخيم، بل اتحاد الامارات التي تبرعت بإعادة بنائه بعد الدمار في 2002. للمفارقة، المخططون حرصوا في حينه على أن يكون عرض الشوارع مثل عرض الدبابة، كي لا تدمر الدبابات في المرة القادمة كل ما يقف في طريقها عندما يقتحم جيش التدمير المخيم. أي كلمات مصقولة وشيطانية الذي يستخدم لتبرير التدمير الكامل، مثل البنى التحتية والهندسة.
مخيم جنين كان مخيم مقاتل، رمز النضال ضد الاحتلال. في السنوات الأخيرة تجول فيه الكثير من المسلحين، ولم يكن بالإمكان التجول في المخيم بدون الالتقاء معهم. هم كانوا شباب يؤمنون بهدف. شباب عملوا في مختبرات ارتجالية لتركيب العبوات الناسفة التي استهدفت منع اقتحام المخيم مرة أخرى كما حدث في 2002. مخيم جنين لم يستسلم في أي يوم للاحتلال. لو أن الامر كان يتعلق بالنضال من اجل الحرية في مكان آخر لكان المخيم اصبح اسطورة عالمية مع ابطال وافلام يتم انتاجها عنه.
لقد كانت في المخيم، وهذا لا يصدق، أيضا حياة. كان فيه مسرح مدهش عرض مسرحيات للأطفال والكبار، كانت فيه حياة وثقافة، بقدر ما يسمح به الواقع الصعب لمخيم لاجئين. في حفلات الزفاف البسيطة التي في العادة تقام في الشوارع، كان الضيوف يرمون قطع النقد في كيس بدون أن يعرف أحد كم قدموا كهدية للعروسين، كي لا يتم احراج أي أحد. كانت روح تضامن في المخيم.
جميع سكان المخيم كانوا لاجئين وأبناء لاجئين، الذين طردتهم إسرائيل من بلداتهم في 1948. هؤلاء السكان عاشوا على الماضي واشتاقوا كثيرا اليه. المجتمع الذي يتمرغ في الماضي والكوارث، مثل المجتمع الإسرائيلي، كان يجب عليه معرفة ذلك. عندما يتم تدمير مخيم هؤلاء الناس للمرة الثانية خلال نصف قرن، وبعج 77 سنة على طردهم القسري من بلداتهم، فانه من المستحيل تجاهل ماضيهم.
مخيم جنين هو مشروع ريادي. مخيم نور شمس ومخيم طولكرم هي في الطريق. توجد الآن لدى الجيش الإسرائيلي خطة للمخيمات الـ 18. عندما يغلقون حديقة حيوانات فانهم يهتمون بنقل الحيوانات الى مكان آمن. عندما يغلقون مخيم للاجئين فان السكان يتم رميهم وهم لا يلوون على شيء على جانب الشارع، للمرة الثانية والثالثة في حياتهم. هكذا نحل مشكلة اللاجئين: تحويلهم الى لاجئين اكثر.
-------------------------------------------
مجلة "972+" الإسرائيلية
مشاهد من مجازر رمضان
بقلم: أحمد أحمد
فلسطينيون في قطاع غزة يروون كيف يقومون بجمع أشلاء الجثث من الشوارع وصد الكلاب الضالة أثناء انتظارهم سيارات الإسعاف وسط الهجمات الإسرائيلية.
مجلة "972+" الإسرائيلية تنشر تقريراً ينقل صورة المجازر التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، من خلال شهادات فلسطينيين رووا ما رأوه وعاينوه.
مساء الاثنين، كان عديّ الزايغ يلتقي صديقه وجاره، معتصم زين الدين، في وسط مدينة غزة. تحدثا بفخر عن كيفية قيام سكان حيهم، حي المغربي، بتنظيف الشوارع وإعادة بناء ما أمكنهم خلال الأسابيع الأخيرة، محاولين بكل جهدهم إعادة إحياء جماله بعد أن تضرر بشدة جراء الهجمات الإسرائيلية خلال 15 شهراً من الإبادة الجماعية. بعد أن افترقا، ذهب الزايغ للنوم، حتى استيقظ فجأة نحو الساعة الثانية فجراً على وقع استئناف الهجوم الإسرائيلي المفاجئ.
قال عديّ لمجلة "972+": "فتحت عينيّ وأنا أسقط على الأرض، وسقطت أجزاء من السقف وشظايا زجاج النوافذ على جسدي.. أضاءت ألسنة اللهب الناتجة عن الانفجار الشقة. ظننت أنني ميت".
أدرك الزايغ أنّه لا يزال يتنفس، وظن أنّ منزله هو هدف القصف، فخشي أن تكون غارة جوية ثانية وشيكة. قام بتشغيل مصباح هاتفه، ورفع نفسه، وهرع للمساعدة في رفع الأنقاض عن أشقائه التسعة ووالديه حتى يتمكن من إخراجهم جميعاً إلى الشارع.
وروى: "أزلتُ حجراً كبيراً سقط على صدر أمي، وأمسكتُ بيدها، وسحبتُها إلى الطابق السفلي"، و"أمام باب منزلنا مباشرةً، كان هناك نصف جثة امرأة.. فأغمي على أمي".
بينما كان الزايغ يُدرك حجم الدمار من حوله، رأى المزيد من الجثث المقطعة متناثرة في الشارع. جمع هو وجيرانه أشلاء الجثث ووضعوها في أكياس بلاستيكية على الرصيف.
وأوضح عديّ والدموع تنهمر من عينيه أنّ "رائحة الدم واللحم المتحلل جذبت الكلاب الضالة إلى المنطقة"، مشيراً إلى أنّه "لمدة ساعتين، رميناهم بالحجارة وحرسنا الجثث حتى وصلت سيارة إسعاف واحدة. لكن، لم يكن لديهم مكان إلا لنقل الجرحى؛ رفضوا نقل جثث القتلى".
مع بزوغ الفجر، أدرك الزايغ وجيرانه وجود المزيد من الجثث متناثرة في الشارع، فصُدم عندما اكتشف أنه تعرف إلى إحداها. وأوضح قائلًا: "وجدنا الجزء العلوي من جثة مشوّهة على بُعد 100 متر من المنزل المستهدف. كانت جثة صديقي معتصم".
وأعلنت "إسرائيل" لاحقاً أن هدف الغارة كان أبو عبيدة الجمصي، القيادي البارز في حماس. وقال الزايغ: "حتى لو أرادوا قتل شخص معين، فإنهم يهدفون إلى تدمير أكبر عدد ممكن وقتل المزيد، لإجبارنا على مغادرة أرضنا، لكنني لن أغادر منزلي أبداً".
جثث متناثرة في كل مكان
في الساعة 1:40 من صباح ذلك اليوم نفسه، استيقظ فؤاد ساقلا، البالغ من العمر 46 عاماً، في منزله بالبلدة القديمة بمدينة غزة ليُعدّ وجبة السحور. كان على وشك إيقاظ بقية أفراد عائلته عندما ضربت سلسلة من الغارات الجوية مبنىً قريبًا.
قال لمجلة "972+": "كانت الأنقاض تتساقط في كل مكان؛ بعضها سقط على الفراش الذي كنت أنام عليه. ظننت أنني أعاني من كابوس حتى تشبثت ابنتي هالة، البالغة من العمر 7 سنوات، بساقي وبدأت بالبكاء بصوت عالٍ".
خرج ساقلا أيضاً إلى مشهد مذبحة. قال: "كانت الجثث متناثرة في كل مكان. ذكّرتني المشاهد المؤلمة بأيام الحرب الأولى عام 2023، التي ما زلت أحاول التعافي منها".
عزة النشار، 19 عاماً، تسكن في منزل قريب من منزل ساقلا. كانت تتلو القرآن الكريم عندما بدأ القصف. قالت: "اهتزت الأرض، وكانت أصوات الانفجارات مرعبة. لم أستطع تحريك جسدي لدقائق من الخوف".
كان أول ما يشغل بال النشار وعائلتها هو سلامة عمها محمد. نصب خيمة على سطح منزلهم ليعيش مع زوجته صابرين وأطفالهما الأربعة بعد أن دمر القصف الإسرائيلي منزله في الحي نفسه العام الماضي.
قالت النشار لمجلة "972+": "هرع أعمامي وجيراني إلى السطح للاطمئنان إليه. وعندما وجدوه، كان قد أغمي عليه، ومُغطى بقطع من جدار مُدمر. الحمد لله، نجا بإصابات طفيفة".
ومن قبيل المصادفة، كانت صابرين وأطفالها يقيمون في منزل عائلتها في مكان آخر بمدينة غزة، وقد نجوا من تلك الليلة. قالت النشار: "جميعنا مرعوبون، ولا نريد أن نفقد المزيد من الناس مرة أخرى".
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل لـ "972+" إنّ القوات الإسرائيلية شنّت أكثر من 100 غارة متزامنة على منازل سكنية وملاجئ وخيام تؤوي النازحين في أنحاء قطاع غزة صباح يوم الثلاثاء بعد استنئاف الحرب، ما أسفر عن مقتل 400 شخص على الأقل وإصابة 600 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال.
-------------------------------------------
مجلة "فورين أفيرز" الأميركية 27/3/2025
أزمة الأردن تلوح في الأفق
الحرب في غزة أصبحت خطراً وجودياً على المملكة الأردنية.
بقلم: كورتيس آر. رايان
مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تنشر مقالاً يتناول العلاقات بين الولايات المتحدة والأردن في سياق التطوّرات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً بعد عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة في 2024. ويركّز النص على الأزمة السياسية التي نشأت بسبب خطة ترامب لنقل الفلسطينيين من قطاع غزة إلى الأردن ومصر، ويشير إلى المعارضة الشديدة لهذه الخطة من قبل الحكومة الأردنية والشعب الأردني.
لقد دفعت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بمنطقة الشرق الأوسط، التي تعاني اضطرابات كبرى منذ هجوم 7 تشرين الأوّل/أكتوبر 2023، إلى مزيد من الأزمات. وفي غضون أسابيع من تولّيه منصبه، حاول ترامب إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وتجميد المساعدات الخارجية للمستفيدين جميعهم باستثناء "إسرائيل" ومصر. وفي اجتماع مع العاهل الأردني عبد الله الثاني وولي عهده الأمير حسين في شهر شباط/فبراير الماضي، طرح الرئيس ترامب خطّته "لإخلاء غزّة"، على أن تمتلكها الولايات المتحدة وتديرها، و"تعيد توطين" جميع سكّان غزّة في الدول العربية المجاورة. لكن، الملك عبد الله رفض الخطّة فوراً وبشكل قاطع، بدعم من مصر وقطر والسعودية والإمارات، متحدّياً تأكيدات ترامب قبل شهر من الاجتماع المذكور بأنّ الأردن "سيفعل ذلك" لأنّ الولايات المتحدة تفعل "الكثير من أجلهم"، ويقصد المساعدات المالية.
لقد نجا الأردن منذ فترة طويلة من الحروب الخارجية والداخلية، وموجات اللاجئين، والدول الجارة غير المستقرّة، والانكماش الاقتصادي العميق، لكنّ الأزمة الحالية قد تكون وجودية. فالولايات المتحدة هي أقرب حليف للأردن، لكن الحكومة الأردنية والمعارضة السياسية في البلاد والمجتمع المدني ردّوا على خطّة ترامب لإعادة التوطين بتناغم وتوافق نادر وغاضب، مندّدين بأيّ ترحيل قسري للفلسطينيين إلى الأردن. ومع ذلك، فإن علاقة الأردن بالولايات المتحدة إشكالية ومعقّدة، ففي حين تواجه عمّان مهمّة مستحيلة في الوقوف في وجه واشنطن، يستمرّ اعتمادها على المساعدات الأميركية.
لطالما كانت الحكومات الأردنية المتعاقبة ميّالة إلى الامتثال لرغبات السياسة الأميركية، وإن كانت لا تحظى بشعبية كبيرة لدى الجمهور الأردني. وعلى عكس معظم جيران الأردن، لديها معاهدة سلام كاملة مع "إسرائيل".
إنّ غضب الأردنيين المتزايد يجعل جهد إدارة ترامب لإجبار البلاد على قبول اللاجئين من غزّة أمراً غير متوقّع. ويتوجّب على الولايات المتحدة أن تستجيب للمناشدات الجيّاشة لحليفها الأردني المخلص، وأن تتجنّب زجّ الفلسطينيين والأردن والمنطقة في كارثة جديدة.
تحدّي التحالف
مع ذلك، لطالما تمتّع رؤساء الولايات المتحدة وملوك الأردن بتاريخ من العلاقات الدافئة، بدءاً من أوّل اجتماع للملك حسين في عام 1959 مع الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، وباستمرار إلى عهد الملك عبد الله حاليّاً، حيث شكّل هذا التحالف الثنائي خلال 70 عاماً سمعة الأردن الدولية المركّزة بعناية كدولة معتدلة في منطقة مضطربة.
في عام 2008 عرّف وزير الخارجية الأردني السابق مروان المعشر، المملكة بأنّها جزء من "المركز العربي". وفي عام 2001 وقّع الأردن على أوّل اتّفاقية تجارة حرّة بين الولايات المتحدة ودولة عربية، كما أنّ المملكة هي إحدى أكبر المتلقّين للمساعدات الخارجية الأميركية. بالإضافة إلى علاقاته مع الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى، كذلك حافظ الأردن على معاهدة سلام كاملة مع "إسرائيل" منذ العام 1994. كذلك إنّ الأردن والولايات المتحدة لديهما تاريخ طويل من التعاون في الشؤون العسكرية والأمنية. في عام 2014 حين بدأ التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة عمليات عسكرية ضدّ تنظيم "داعِش"، استضاف الأردن القوّات الأميركية وكان بمثابة قاعدة عمليات أمامية فعلية للتحالف الدولي.
استمرّت هذه العلاقة الحميمية باستقرار ومن دون انقطاع إلى حدّ ما بين البلدين، مع استثناء واحد خلال فترة رئاسة ترامب الأولى، حين قامت إدارته وخلافاً لرغبة الأردن، بقطع التمويل الأميركي عن منظّمة "الأونروا"، وهي وكالة الأمم المتحدة الرئيسية التي تقدّم المساعدات للّاجئين الفلسطينيين في غزّة والضفّة الغربية والأردن أيضاً. على الرغم من استمرار المساعدات الرسمية والتعاون الأميركي مع الأردن بلا هوادة، يشعر العديد من المسؤولين الأردنيين أنّ إدارة ترامب لم تعد تعطي الأولوية للمملكة، بل تتّجه بدلاً من ذلك نحو الاصطفاف الفعلي مع "إسرائيل" والسعودية والإمارات، حيث سعت الإدارة إلى تحقيق هدفها الرئيسي في المنطقة في عقد "اتّفاقيات أبراهام".
وحين فاز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية في العام 2020، بدا كأنّه يعيد مكانة الأردن المعهودة كحليف قيّم للولايات المتحدة. وفي عام 2022، وقّعت واشنطن وعمّان مذكّرة تفاهم وعدت بتقديم 1.45 مليار دولار من المساعدات الأميركية للمملكة على مدى 7 سنوات. ولكن في أعقاب 7 تشرين الأوّل/أكتوبر 2023، ومع اقتراب الشرق الأوسط من الحرب الإقليمية، علّقت إدارة بايدن تمويل "الأونروا" لمدّة عام.
على هذا، تشكّل عودة ترامب إلى الرئاسة مرّة أخرى تحدّياً للعلاقة الأميركية الأردنية، حيث كان يتوقّع العديد من المسؤولين الأردنيين أن تظهر واشنطن مزيداً من الحساسية تجاه مصالح عمّان الإقليمية ونقاط ضعفها الداخلية.
الأردنيون متّحدون
لطالما اعتبر النظام الملكي الأردني التعاون العسكري والاقتصادي مع الولايات المتحدة أمراً حيوياً للأمن القومي للبلاد. لكنّ إدانة الأردن القوية للحرب الإسرائيلية على غزّة شكّلت خروجاً عن خطاب عمّان المتحفّظ المعتاد، حيث واصلت المملكة تنديدها بالقصف الإسرائيلي ووصفته بالمفرط، وسلّطت الضوء على العدد المذهل من الضحايا المدنيين الفلسطينيين، ودعت باستمرار إلى وقف فوري لإطلاق النار. وفي اجتماع طارئ للقمّة العربية في القاهرة في تشرين الأوّل/أكتوبر 2023، أدان الملك عبد الله تدمير "إسرائيل" لقطاع غزّة، واعتبره "انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي" و"جريمة حرب". لكن في الوقت ذاته، ظلّت إجراءات الحكومة الأردنية تتماشى مع التزاماتها تجاه الولايات المتحدة. وحين أطلقت إيران وابلاً من الصواريخ والطائرات من دون طيّار على "إسرائيل" في شهر نيسان/أبريل في العام 2024، ساعد الأردن في إسقاطها. وقد جادل المسؤولون الحكوميون بمواجهة ردود الفعل الداخلية الغاضبة، بأنّ الأمر يتعلق بالأمن والسيادة، حيث صرّح الملك عبد الله بشكل قاطع بأنّ "الأردن لن يكون ساحة معركة لأيّ طرف".
كذلك، تخضع علاقة الأردن بالولايات المتحدة لانتقادات شديدة بين الأردنيين. ويعتقد الكثيرون في حركات المعارضة الأردنية أنّ صلات المملكة بواشنطن تقوّض السيادة والأمن الأردنيين، وتجعل البلاد عرضة للإكراه الأجنبي. كما أنّ الحرب على غزّة، عزّزت تعبئة حركات المعارضة، وعلى الرغم من إدانات الحكومة الرسمية لـ "إسرائيل"، يستمرّ المتظاهرون في الضغط على الحكومة لتغيير سياساتها جذريّاً، وطالبوا بإلغاء معاهدة السلام وإنهاء صفقة الغاز المثيرة للجدل مع "إسرائيل"، وطرد القوات الأميركية وغيرها من القوات الأجنبية من الأردن، وقطع أيّ إمدادات تصل إلى "إسرائيل" عبر الأراضي الأردنية طالما الحرب مستمرّة.
لقد أثارت مساعدة الأردن بإسقاط الصواريخ الإيرانية في أوائل عام 2024 غضباً شعبيّاً كبيراً، وبعده تزايدت الضغوط على الحكومة باستمرار. وفي الانتخابات البرلمانية الوطنية الأردنية التي جرت في أيلول/سبتمبر في العام الماضي، حصلت الأحزاب والمرشّحون الوسطيون والمحافظون والمؤيّدون للنظام على معظم مقاعد البرلمان البالغ عددها 138 مقعداً، لكنّ حزب "جبهة العمل الإسلامي" المعارض حقّق أداء جيداً أيضاً، حيث حصل على 31 مقعداً مؤثّراً في البرلمان الجديد. ومع ازدياد علوّ الأصوات المعارضة، وبروز معارضة مدنية نشطة، تضمّ قوى علمانية وإسلامية، إلى الشوارع للتظاهر، ستواجه الدولة مقاومة حقيقية لسياستها الخارجية. ولكن، حتّى لو اختلفت قوى المعارضة مع الدولة في جملة من القضايا السياسية، فقد تبلور إجماع وطني واضح ضدّ التهجير الجماعي للفلسطينيين من غزّة، ومن الضفّة الغربية أيضاً.
لا أرض أخرى للفلسطينيين
لقد أثبتت القرارات السياسية الخارجية لترامب في بداية ولايته الثانية صحة الانتقادات الموجّهة إليه إلى حدّ كبير، حيث كان الأردن من بين الدول التي علّقت الإدارة المساعدات لها، وقد أثار سعي ترامب لنقل أكثر من مليوني غزيّ إلى مصر والأردن غضب الشعب الأردني والحكومة أيضاً. وقبل أيام قليلة من تنصيب ترامب ترسّخ أخيراً وقف إطلاق نار هشّ بين "إسرائيل" وحركة "حماس"، أدّى إلى وقف القصف مؤقّتاً، وسمح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزّة. ولكن عوضاً عن استغلال فترة التوقّف لإحلال الهدوء في المنطقة، أوقفت إدارة ترامب الجديدة فوراً جميع المساعدات الخارجية لمدّة 90 يوماً، وقطعت جميع التمويل عن "الأونروا"، وحاولت القضاء على الوكالة الأميركية للتنمية الدولية تماماً.
كان تأثير التجميد كارثياً على نحو خاصّ على الأردن، إذ لم تعتمد أيّ دولة في الشرق الأوسط على الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أو "الأونروا" أكثر من الأردن. ومن المرجّح أن ينهي تجميد الوكالة الأميركية للتنمية الدولية مئات مشاريع المساعدات والتنمية المختلفة في المملكة الهاشمية، التي تدعم خدمات أساسية كالصحة والتعليم وتوفير المياه وتعزيز الإدارات المحلّية والشركات الصغيرة والمدارس. كما سيصيب بالشلل شبكة المنظّمات غير الحكومية والمؤسّسات الرسمية المرتبطة بالمساعدات الأميركية والتي توظّف عشرات الآلاف من الأردنيين.
حديث ترامب "العفوي" عن نقل الفلسطينيين جميعهم من غزّة، زاد الصدمة والدمار اللذين أحدثتهما الحرب الإسرائيلية. وقد رفضت خطة ترامب من مصر والأردن فوراً، وسرعان ما أيّدهما حلفاء عرب آخرون مثل قطر والسعودية والإمارات، وأعربوا عن رفضهم لأيّ نقل قسري للفلسطينيين، الذي سيعتبره الأردنيون تطهيراً عرقيّاً.
وقد التقى حلفاء الولايات المتحدة من الدول العربية في القاهرة خلال الشهر الجاري، حيث قدّمت مصر خطّة بديلة عن خطّة ترامب لما بعد الحرب على غزّة، لا تتضمّن تهجيراً جماعياً للفلسطينيين. لكنّ، إِدارة ترامب على الأقلّ حتّى الآن، رفضت الاقتراح رفضاً قاطعاً. وقد أربك هذا الانقلاب الأميركي القيادة الأردنية، التي دعمت وراهنت باستمرار على حلّ الدولتين الذي كان منسجماً مع موقف الولايات المتحدة المستمرّ منذ عقود من الصراع، لكنّ خطة ترامب تقوّض كلّ ذلك الآن، والتي، إذا نفّذت، ستجعل "إسرائيل" وغزّة والضفّة الغربية دولة واحدة من دون فلسطينيين.
على الرغم من أنّ ترامب قد يعتقد أنّه يستطيع الضغط على حليف تابع، إلّا أنّ الظروف في الأردن تجعل مشاركة الحكومة في مثل هذا المخطّط مستحيلة. فعلى الرغم من ضعف اقتصاده ونقص الموارد الطبيعية، فقد استقبل الأردن بالفعل موجات من اللاجئين الفلسطينيين منذ العام 1948 فصاعداً، كما استقبل الفارّين العراقيّين من حروب الخليج، وبعد عام 2011، استقبل الفارين السوريين من الحرب الأهلية. ولا تمتلك المملكة القدرة الاقتصادية على قبول ملايين اللاجئين الفلسطينيين. كما أنّ أيّ وصول للاجئين من شأنه أن يخلّ بما يعتبره العديد من الأردنيين توازناً ديموغرافياً هشّاً بين الأردنيين الفلسطينيين، الذين تعود جذورهم إلى غرب نهر الأردن، وسكّان الضفة الشرقية الذين تعود جذورهم إلى شرق النهر. كما، ينظر المتشدّدُون الأصليون، الذين يشغل بعضهم مقاعد برلمانية، أو يشغلون مناصب رسمية في أجهزة المخابرات والأمن الأردنية، بعين الريبة إلى أيّ خطّة يمكن أن تغيّر الوضع السكّاني الراهن.
وبالنسبة للعديد من الأردنيين، فإنّ خطر الترحيل الجماعي للاجئين الفلسطينيين إلى الأردن يقلقهم وهو ما كانوا يخشونه لعقود، ما يسمّى "الخيار الأردني" الذي يروّج له اليمين المتطرّف الإسرائيلي، والذي تحاول فيه "إسرائيل" حلّ القضية الفلسطينية على حساب الأردن بإجباره على أن يصبح دولة فلسطينية بديلة بحكم الأمر الواقع. في الأردن، يعرف هذا المشروع باسم سيناريو "الوطن البديل". ولطالما اعتبره المسؤولون الأردنيون خطاً أحمر. مؤخّراً لخّص رئيس مجلس النواب الأردني أحمد الصفدي، موقف الهيئة التشريعية بقوله، "لا للتهجير، لا للوطن البديل. فلسطين ملك للفلسطينيين والأردن ملك للأردنيين". وأوضح وزير الخارجية أيمن الصفدي "موقف المملكة الثابت"، بأنّ فلسطين ملك للفلسطينيين، ويجب أن تقوم دَولتهم على ترابهم الوطني، وهذا هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة".
استغاثة
من غير المرجّح أن تجعل أيّ حوافز يمكن أن تقدّمها الولايات المتحدة للأردن، في أن يقبل مئات الآلاف من فلسطيني غزّة، وهو أمر غير ممكن للحكومة الأردنية اقتصادياً وسياسياً أيضاً. ومن الممكن أن يحاول ترامب دفع الجهات الفاعلة الأخرى في الشرق الأوسط إلى قبول تنازلات من خلال التهديد بخطّة إعادة توطين جذرية، لكنّ التهديد نفسه يزعزع استقرار حليف رئيسي مثل الأردن، وينفّره ويزيد الضغط على حكومة عمّان لتغيير سياساتها، وربّما النأي بنفسها عن الولايات المتحدة، وهو أمر لا يريد المسؤولون الأردنيون القيام به.
إنّ اتحاد المسؤولين الحكوميين الأردنيين ونشطاء المعارضة والمواطنين العاديين في رفضهم لخطّة ترامب يجب أن يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في نهجها تجاه كلّ من خطّة غزّة وتجميد المساعدات. مع الأخذ بعين الاعتبار أيضاً أنّ هذا النوع من الإجماع يكاد يكون غير مسبوق في السياسة الأردنية، ويعكس الطبيعة الوجودية للأزمة المطروحة.
لقد اعتاد الأردنيون على التحذيرات، المبالغ فيها عادة، والتي غالباً ما تكون صادرة من خارج المملكة، بأنّ البلاد على شفا الهاوية. لكنّ الذعر السائد والمعارضة المتضافرة داخل الأردن يشيران إلى أنّ الأزمة المحدقة فريدة من نوعها في شدّتها، وقد تعيق مقترحات إدارة ترامب الأردن اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وستشعر بتداعياتها جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك "إسرائيل".
مع ذلك، لم يفت الأوان بعد على الولايات المتحدة لاستعادة التزاماتها السابقة بالمساعدات، والأهمّ من ذلك، التوقّف عن دعواتها لطرد الفلسطينيين جماعياً من غزّة. وينبغي على واشنطن أن تنصت إلى حليفها الأردني، نظراً للعلاقات الوثيقة التي ربطت البلدين منذ عقود، والأردن يستحقّ أن يسمع صوته.
-----------------انتهت النشرة-----------------
أضف تعليق