04 نيسان 2025 الساعة 10:01

"حالة عشق": فيلم عن غسان أبو ستة وفلسطين

2025-02-23 عدد القراءات : 838

الكتابة التالية ليست عن الدكتور غسان أبو ستة تماماً، ولا عن غزة تماماً، إنما هي محاولة لدمجهما معاً، كما في فيلم "حالة عشق" لكارول منصور ومنى الخالدي، وهو فيلم تسجيلي طويل، مدته 90 دقيقة.

ذهبتُ لمشاهدة الفيلم في بيروت، وأنا على قناعة بأني أعرف بعض ما فيه عما حدث في غزة، وأعرف بعض ما لدى غسان، من متابعتي المستمرة لما قاله في مقابلات عديدة أُجريت معه منذ خروجه من قطاع غزة، إحداها أجريناها في مؤسسة الدراسات الفلسطينية. لكن كان هناك جديد فيما يتعلق بغزة وأحداثها التي لن ينتهي الحديث عنها، وهناك الكثير والكثير لدى أبو ستة، وهو مستمر في قوله.

الفيلم، كما أفلام أُخرى لمنصور والخالدي، تمكن من تقديم وثيقة بصرية سياسية وإنسانية تدور في فلك القضية الفلسطينية. و"حالة عشق" وثّق بطريقة لافتة حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. هذه "الإبادة" شاهدها العالم عبر الشاشات على مدار نحو 15 شهراً، ومستمر في مشاهدة نتائجها، وربما إعادة تسعيرها مرة أُخرى في أي وقت.

توريط للمشاهد

هذا الفيلم، وغيره ربما، سيضع هذه الإبادة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة في شاشة كبيرة، بمشاهد مؤلمة لأجساد الجرحى، وحسناً فعلوا صنّاع الفيلم بأنهم لم يغطوها، وتركوها كما هي، بألمها وخدشها للشعور الإنساني. وربما أرادتا، ومعهما الدكتور غسان، توريط المشاهد بهذه الإبادة بالكامل، كي يصل إلى من لم يعرف كمّ الحقد والقتل والألم الذي حدث في تلك البقعة من فلسطين. ولعل صور الجروح المؤلمة للعين والشعور كمّلت ما كان يقوله أبو ستة في الفيلم، أو زادت في إيضاحه، فالرجل يملك قدرة عالية على السرد الموضوعي، مع التطعيم الجمالي، رابطاً بشخصيته المتفردة في الحديث والحضور، وهو ما يجعل المتابع مشدوداً حتى اللحظات الأخيرة من الفيلم.

أيضاً، شكّل حضور أمه وحديثها العفوي عن ابنها وجوانب من نشأته، ولاحقاً تعاملها مع خوفها عليه، خرقاً جديداً في العلاقة مع هذا الطبيب الذي بات معروفاً على نطاق واسع. أمّا زوجته ديما، فنجح الفيلم في نقل حياتها وغسان بتكثيف مدهش، ومن ذلك علاقتهما بأبنائهما الثلاثة سليمان وزيد وحمزة، وتربيتهما لهم، ليبدو حديث الأولاد ليس مكملاً لحديث غسان وديمة وحسب، بل أيضاً إضافة تمثل مستقبل هذه العائلة الوطنية المناضلة بأدواتها، بدءاً بجد غسان، وعمه المناضل صاحب العلاقة الخاصة بوالد غسان، وأعمامه الآخرين، ومنهم الدكتور سلمان الذي تحدّث في جانب من الفيلم عن نشأة ابن شقيقه.

أمّا والد غسان، فله شأن خاص؛ إذ رحل عن حياتنا، لكنه كما يبدو حاضر بقوة في حياة غسان، إذ كان يدرك أن ابنه سيكون في يوم من الأيام شخصاً يشار إليه بالبنان. ويبدو أن الولد ابن أبيه في كل شيء، وكان الوالد صاحب نظرة في المستقبل، وهذا ابنه الذي لم يذهب إلى عدن ليلتحق بمعسكر، بحسب قصة ذكرها جرت بينه وبين والده. فقد أنشأ غسان معسكره الخاص عبر اختصاصه الطبي المهم في الحروب، ليصير بعد الحرب الأخيرة فوق الرادار، أي مشهوراً، ولم يضع في اعتباره في أي لحظة من اللحظات أن مهمته انتهت عند آخر جريح عالجه، بل أيضاً أخذ على عاتقه أن ينتقل من مكان إلى آخر ليروي حكاية شعب يتعرض للإبادة، ومع ذلك، لن تتمكن قدرات العالم من اقتلاعه أو بتر علاقته بأرضه.

البتر والخل

في الكتابة السابقة، ألجأ إلى استخدام تعابير استخدمها غسان في الفيلم، وفي مقابلاته، وهي مرتبطة باختصاصه الطبي كالبتر، وذلك لأن غسان بتر في ليلة واحدة أطرافاً لستة أطفال، ولأناس آخرين. تبدو الفكرة السابقة موجعة في كتابتها، وفي تخيُل حدوثها، لكنها حدثت فعلاً، فالطبيب غسان أبو ستة كان قد استعرض مواد تعقيم "جديدة"، تستخدَم في القرن الـ 21 حصراً في غزة، كالخل، والديتول، وسائل التنظيف، لأن المواد الطبية انقطعت أو نقصت بصورة كبيرة، وهو ما أدى إلى لجوء الأطباء إلى ردة فعل علمية ومهنية، فاضطروا إلى العودة إلى تاريخ الطب، واستخدام ما كان متوفراً لدى القدماء، واستعانوا به، ضمن محاولاتهم إنقاذ مَن يمكن إنقاذه، ضمن فقه جديد للموت، تحددت فيه أولويات لمن تُجرى له العملية أو تؤجل بحسب خطورة حالته. وحين تؤجَل حالة ما إلى يوم تالٍ، يكون اليوم التالي مأساوياً أيضاً، فيؤجَل المؤجَل، ويؤجَل المصاب الجديد، وهكذا، بينما تجرى العمليات لمن جرحه يمكن أن يؤدي إلى موته أسرع.

حدث هذا في قطاع غزة خلال حرب، ولا أقدر أن أقول إن الفيلم لخصه، أو تكثف بقول من طبيب فلسطيني عاش وقتاً منها في قطاع غزة، وظل يتوق للعودة إليها. لكن تمكّن الفيلم عبر الطبيب، وهو غسان أبو ستة، أن يوضح كيف أن المقتلة طالت أبعاد الوجود في هذه البقعة من فلسطين، حين طالت الإنسان والمكان والزمان. لكنه - أي غسان - لم يغفل عن بث إيمانه بأن كل شيء ذاهب إلى خواتيمه، وإلى العدالة للشعب الفلسطيني، والحرية، وبعثه في المشاهدين.

يذهب فيلم "حالة عشق"، والاسم مأخوذ من قصيدة "عبد الله الإرهابي" للشاعر مظفر النواب، إلى تشكيل توازن بين الشخص والموضوع، في إشارة جعلت الفيلم من بدايته حتى نهايته تقريباً يوازن بين الأمرين، فكأنهما لا ينفكان، وبالتالي قدّم الفيلم حكاية أُخرى، وهي الإنسان والأرض، والعلاقة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، وحكاية الأرض مع الفلسطيني. وهذه الثنائية تبدو خلاصة واقعية وتاريخية ورومانسية يمكن الخروج بها من الفيلم. فمع أن الفيلم يبدو وكأنه عن غسان كشخصية مركزية ورئيسية، إلاّ إنه كان أيضاً عن الآخرين فيه، فلم يطرح علاقة غسان بفلسطين فقط، بل أيضاً بعائلته؛ والده، وأعمامه، وزوجته، ووالدها، ووالدتها، وعمها الذي استشهد في غزة في الحرب الأخيرة. وهؤلاء جميعاً في النتيجة عينة من الشعب الفلسطيني، في الداخل والخارج.

كله ذروة

أصاب صانعو الفيلم حين لم يتركوا في الفيلم لحظة معيّنة لتكون ذروة الفيلم، وكأنهم حولوا الفيلم كله إلى ذروة؛ فمن اللحظة الأولى والأحداث متصاعدة؛ فترتفع حدة الموت، وتزداد مشاهد الإجرام أكثر، ويزداد حديث غسان السياسي والفكري عمقاً وتحديداً لما كان يحدث على مرّ أعوام منذ النكبة وصولاً إلى اليوم، عبر علاقة المستعمِر بالمستعمَر. وحتى العلاقة الطبقية بين الناس كانت حاضرة في حديثه؛ بيننا كأبناء منطقة، وبين الرجل الأبيض. وكذلك الأمر في الجروح، بالنسبة إلى ألبسة الناس في غزة، وتحديداً حين ذكر جرحى استشهد عدد كبير منهم، وألبستهم الداخلية رخيصة ومصنوعة من البوليستر بسبب الفقر والأحوال المعيشية الصعبة، وهو ما كان يؤدي إلى ذوبانه على أجساد الضحايا بعد الانفجارات والحرائق جرّاء الصواريخ الإسرائيلية.

كل هذا كان مترافقاً مع حركة كاميرا بارعة، تحركها عين إخراجية تعرف جيداً ما تريد، وتدرك كيف أن في نوع كهذا من الأفلام، ليس المطلوب إمتاع المشاهد، إنما إدخاله في اللعبة، وإشعاره بالمسؤولية، وما يتوجب عليه من فعل.

عفوية الرؤية

رؤية الإخراج سمحت للكاميرا بأن تتعامل وتتحرك بعفوية، فالكادر الثابت لم يكن مزعجاً أو مملاً، إنما حمل ضمنه إشباعاً للصورة يشد عين المشاهد، وتحديداً تلك الكوادر في بيت أبو ستة في لندن، فعلى الرغم من كثرة العناصر في الخلفية أو في المحيط، فإنها كانت تشبه الشخصية وحديثها، فساعدت في فهم ما يمثّل ويؤسس عليه عائلته. كذلك الكوادر المتحركة، سواء خلال حركة غسان في الشوارع أو بيته في لندن أو عمان، وحتى خلال زيارته وعائلته مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية في بيروت.

وكما عفوية الكاميرا، فقد كانت هناك عفوية لكارول منصور ومنى الخالدي، حين أعطيا انطباعاً في اللحظات الأخيرة من الفيلم بأن غسان شريك في هذا العمل المبدع، فسألاه عن الكيفية التي يحب أن تكون عليها نهاية الفيلم، فاختار معبر رفح، لأنه يريد العودة إلى غزة، وإلى فلسطين، التي ألقى من أجلها في المشاهد الأخيرة أيضاً مقاطع من قصيدة النواب "عبد الله الإرهابي" حين قال فيها: "حالة عشق لا تتكرر يا عبد الله فلسطين."

انتهت الكتابة هنا عن الفيلم، وعن دمج متعشّق لا يمكن فصله بين فلسطين وغسان، ولنضع أي اسم بدلاً من غسان بعد فلسطين، لتكون النتيجة ذاتها؛ "حالة عشق".


أضف تعليق