2017/10/19
| الرئيسية | من نحن ؟ | مقالات | مقابلات | دراسات وتقارير | متابعات | محليات | دوليات | ثقافة و فنون | مال وأعمال | راســـلنـــا |

[بقلم / ]
[دورة شهداء انتفاضة القدس والأقصى المظفرة] [أيلول/ سبتمبر/2017]
التقرير السياسي الصادر عن اللجنة المركزية الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
 

عقدت اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وبرئاسة أمينها العام الرفيق نايف حواتمة، دورتها الشاملة، دورة «شهداء إنتفاضة القدس والأقصى المظفرة»، وناقشت القضايا المدرجة على جدول أعمالها، وأصدرت في ختام الدورة التقرير السياسي لمحاور النضال في هذه المرحلة.

أولاً: إنتفاضة القدس والأقصى
1- شهدت مدينة القدس، وبوابات الأقصى وساحاته في النصف الثاني من شهر تموز (يوليو) 2017 معركة كبرى، خاضتها جماهير شعبنا الفلسطيني، ضد إجراءات سلطات الإحتلال، الهادفة إلى فرض السيادة على الحرم القدسي، وتعزيز قبضتها على مدينة القدس، تحت ذريعة رد الفعل على العملية المسلحة التي شهدتها ساحات الأقصى على يد ثلاثة من أبناء شعبنا من بلدة أم الفحم في مناطق الـ 48. وقد تحولت المعركة إلى إنتفاضة مقدسية شعبية عارمة، أبدت فيها جماهير شعبنا، في القدس، وفي أنحاء الضفة الفلسطينية، ومناطق الـ 48، ومناطق الشتات، ثباتاً وصموداً مميزين، إنتهت بالنصر على سلطات الإحتلال، وإرغام حكومة أقصى اليمين برئاسة نتنياهو على إلغاء الإجراءات الأمنية المستحدثة كافة، بما فيها البوابات الإلكترونية والكاميرات الذكية، والعودة بالوضع إلى ما كان عليه قبل 14/7، قبل الإجراءات الإسرائيلية التي اتخذت ردأ على العملية.
لقد حملت إنتفاضة القدس والأقصى في طياتها العديد من الدروس والعبر والخلاصات، كما سجلت صفحة جديدة في تاريخ نضالات شعبنا المشرفة، وتضحياته الغالية دفاعاً عن وطنه ومقدساته وكرامته الوطنية.
2- جاءت إنتفاضة القدس والأقصى، في إطار رد الفعل على الإجراءات الأمنية الإسرائيلية، الهادفة إلى مصادرة الحرم القدسي وفرض السيطرة والسيادة الإسرائيلية الكاملة عليه، وفرض التقسيم الزماني والمكاني للصلاة فيه، في محاولة لتكرار تجربة الهيمنة الإسرائيلية على الحرم الإبراهيمي في الخليل.
إن الإنتفاضة جاءت أيضاً في سياق رد الفعل التراكمي على سياسات الإحتلال وممارسات المستوطنين، التي تمتد لسنوات، شهدت فيها القدس مظاهر مختلفة من عمليات تهويد المدينة، وطمس معالمها الفلسطينية والعربية، وفرض قوانين التمييز العنصري ضد المقدسيين ومعاملتهم معاملة الغرباء في بلدهم. لقد تمادت سلطات الإحتلال في مصادرة عشرات المنازل المقدسية لصالح المستوطنين، أو لصالح مشاريع إستيطانية كبرى من شأنها تهويد المدينة، وتوسيع دائرة غزوها بالمستوطنين، كذلك تمادت في فرض المزيد من الضرائب الباهظة على أبناء المدينة، وهي كلها إجراءات أسهمت في تعبئة المقدسيين ضد السلطات الإسرائيلية، في ظل إحساس عميق بأن مدينتهم معرضة للضياع تحت وطأة إجراءات الإحتلال ومشاريعه، وفي ظل تقاعس مكشوف من السلطة الفلسطينية عن تقديم يد العون والإسناد والدعم، وغياب مرجعية وطنية سياسية وروحية ائتلافية موحّدة وتوفير ما يلزم لتعزيز صمود المقدسيين والتصدي لإجراءات الإحتلال وسياساته التصعيدية.
من نتائج هذه السياسات أن القدس تعيش أوضاعاً إقتصادية مرهقة في انعكاسها على حياة المقدسيين. فقد نجحت سلطات الإحتلال في إلحاق إقتصاد المدينة، مباشرة بمؤسسات وقوانين ومصالح السلطات الإسرائيلية وسياستها التمييزية ضد التنمية والوجود الفلسطيني. كما نجحت في عزل المدينة عن محيطها الفلسطيني إجتماعياً وسياسياً وإقتصادياً مما يجعل من الصعوبة بمكان مقاومة تأثيرات الضم والاستيطان وتضييق الخناق على الإحياء العربية، ويدفع باتجاه تعميق انفصال القدس عن محيطها الفلسطيني.
 ونجحت السلطات الإسرائيلية في إحداث حالة من التفكك المتمثل في التراجع في جميع المؤشرات الإجتماعية والسكانية تقريباً، وفي تفتيت الإقتصاد المقدسي ونزع قواه الذاتية المحركة للنمو.
وبالأرقام، يتجلى تراجع الاقتصاد المقدسي في إنخفاض نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني من حوالي 13% إلى أقل من 8% بحلول عام 2000. وقد بلغ إجمالي القيمة المضافة للناتج المحلي في القدس 1075 مليون دولار للعام 2015 وهو ما يمثل أقل من 9% من إجمالي  الناتج المحلي الفلسطيني، يهيمن قطاع الخدمات والسياحة على ما يزيد عن 40% من الاقتصاد المقدسي، بينما تستحوذ تجارة الجملة والتجزئة على الحصة نفسها تقريباً، ومن ثم تأتي الصناعة التحويلية والمياه والكهرباء. مع التأكيد أن التقلبات الحادة في القيمة المضافة هذه تتأثر سلباً بالعديد من العوامل، خاصة تقلب الأوضاع الأمنية في المدينة.
ومن العوامل التي تؤدي إلى تعزيز ضم إقتصاد القدس إلى الإقتصاد الإسرائيلي: أن معظم سكان المدينة يعتمدون على سوق العمل الإسرائيلي كمصدر رئيسي لتوفير فرص العمل والدخل، كما يعتمدون على النظام الصحي والتعليمي الإسرائيلي. وتتجه الأوضاع، بفعل إجراءات الإحتلال دوماً، نحو تعميق الارتباط الاقتصادي والتجاري بين سكان القدس الشرقية والقدس الغربية. يعمق ذلك خطط إسرائيل لربط المواصلات العامة في المدينة، مع شبكة المواصلات الإسرائيلية في المستقبل.
أما في المصير السياسي، فمما لا شك فيه أن المكانة التي إحتلتها مدينة القدس في الحملة الإنتخابية للرئيس ترامب، لعبت دوراً مهماً في تسليط الضوء على الخطر الداهم الذي يتهدد المدينة. فوعود ترامب بنقل سفارة بلاده إلى المدينة المقدسة، وزيارة الوفود الأميركية للقدس للإطلاع على المكان المناسب لتشييد مبنى السفارة، كلها عوامل أسهمت في تسخين الأجواء وسلطت الأضواء على المخاطر الكبرى التي تتهدد المدينة، في ظل حالة من العجز الرسمي العربي والفلسطيني، وغياب المرجعية الوطنية الائتلافية الموحّدة، وفي ظل أوضاع شديدة التعقيد يعيشها المقدسيون، لا توفر لهم عنصر الصمود الضروري للتصدي لخطوة كبرى كخطوة نقل السفارة الأميركية إلى المدينة.
3- من الطبيعي، في ظل حالة شعبية فلسطينية متأججة، تعبر عن نفسها بأشكال وتعابير مختلفة، أن تؤدي الإجراءات الإسرائيلية في القدس إلى نشر أجواء مثقلة بالإحتقان والتوتر والإحساس بتزايد الخطر على المصير الوطني للمدينة وسكانها. فقد سبق إنفجار الوضع في القدس، سلسلة من الأحداث المهمة التي تؤشر إلى حالة نهوض شعبي، بأشكاله المختلفة. كان أبرز هذه الأحداث إضراب الأسرى البواسل بقيادة ائتلافية وطنية موحّدة (فتح، ديمقراطية، حماس، جهاد ولاحقاً شعبية)، وما أجدثه من ردود فعل عاصفة في الشارع الفلسطيني.
 فقد خاضت الحركة الأسيرة اضراباً باسلاً مفتوحاً عن الطعام بدأ في 17 نيسان (يوم الأسير الفلسطيني/ 2017) واستمر 41 يوماً بمشاركة 1600 أسيراً من اجل تحسين شروط وظروف اعتقالهم وكان لرفاقنا في منظمات الجبهة في السجون دور بارز فيه، سواء في عملية التحضير  التي استمرت عدة أشهر أو الانخراط في الاضراب منذ اللحظة الأولى، وبمشاركة قادة الجبهة وأبرز كوادرها في السجون.
لقد جاء هذا الاضراب من اجل وضع حد للهجمة الشرسة التي شنتها سلطات الاحتلال لسلب حقوق الأسرى ومكتسباتهم وتعميق حالة الترهل والانقسام في صفوف الحركة الأسيرة. ورغم غياب الإجماع لدى قيادات الحركة الأسيرة على إعلان الإضراب في الموعد المحدد (حيث تخلفت أطراف هامة في فتح عن المشاركة في الاضراب، وجاءت مشاركة فصائل أخرى متأخرة وبعضها كحماس والجهاد في الأيام الأخيرة للاضراب) إلا أن الطابع الجماعي للإضراب والتحركات الجماهيرية المتصاعدة دعماً له في الشارع الفلسطيني، جعل منه فصلاً هاماً من فصول نضال الحركة الأسيرة، بل والحركة الوطنية ككل، في مواجهة عسف الاحتلال.
حقق الإضراب نتائج وطنية، سياسية ومطلبية وتنظيمية هامة على صعيد الحركة الأسيرة والقضية الوطنية وإذا ما تم البناء على ما تحقق يمكن خوض معركة قانونية وسياسية تقوم على تدويل قضية الأسرى وهزيمة الرواية الإسرائيلية التي تحاول وصم نضالهم بالإرهاب وتحريض المجتمع الدولي عليهم خاصة الولايات المتحدة وأوروبا لقطع رواتبهم ورواتب الشهداء.
أما بشان المطالب الانسانية التي رفعها المضربون فقد بدأت تتحقق تدريجياً في مختلف السجون لأن مصلحة السجون ومن خلفها الحكومة الإسرائيلية تدركان أن هذه النضالات والتضحيات لن تذهب سدى وأنه لا بد من تلبية هذه المطالب. ورغم محاولاات التشويه التي تعرض لها الإضراب، فقد شكل بالتأكيد أحد الارهاصات الهامة التي تؤشر إلى الانتفاضة الشاملة القادمة وتمهد لها.
جاء هذا الإضراب استمراراً لمسيرة الانتفاضة الشبابية التي اندلعت في اوكتوبر 2015 لتشكل علامة كبرى من علاقات الغليان الشعبي الذي يتزايد يوماً بعد يوم، تغذيه من جهة إجراءات الاحتلال والاستيطان وسياساته، ومن جهة أخرى السياسة الانتظارية التي تتبعها السلطة الفلسطينية بعجزها عن فتح آفاق لتقدم مسيرة النضال الوطني وبانتهاكها لحريات المواطنين وحقوق ومصالح اوسع القطاعات الاجتماعية. ولذلك كان أيضاً من أبرز علامات هذا الغليان التحركات الجماهيرية الكبرى التي شهدها العام الماضي ضد سياسات السلطة التمييزية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي ومنها التحرك الشعبي العارم من اجل تعديل قانون الضمان الاجتماعي والذي أرغم السلطة على الرضوخ والتسليم بمطالب العاملين، كما يصب في الاتجاه نفسه إضراب المعلمين دفاعاً عن مصالحهم الحياتية وحقهم في التنظيم النقابي المعبر عن إرادتهم ومسيرة أكثر من 50 ألف متظاهر في قطاع غزة احتجاجاً على خفض الرواتب 30% وأزمات الكهرباء والماء والبطالة.
 جاءت إجراءات سلطات الإحتلال، بذريعة الرد على عملية الأقصى، لتفجر الأوضاع في المدينة، في إنتفاضة مقدسية شاملة، نجحت في تحقيق أهدافها المباشرة حين أرغمت سلطات الإحتلال على التراجع عن إجراءاتها الأمنية في محيط الحرم القدسي.
لقد أسهمت سلسلة غير قليلة من العوامل في توفير عنصر القوة والفوز للإنتفاضة. من أهمها:
•  مركزية القضية موضع النزاع. فالقدس تحتل في وجدان شعبنا، وعموم العرب والمسلمين، موقعاً خاصاً, فهي، عاصمة دولة فلسطين، ومدينة مقدسات شعبنا، وموضع نزاع سياسي وإيديولوجي، في ظل إدعاء صهيوني بأنها عاصمة إسرائيل، وفي ظل خرافة بناء الهيكل الثالث على أنقاض الحرم القدسي. وبالتالي، فإن مدينة القدس، ومقدساتها، في الوجدان الفكري والديني لشعبنا، وإنطلاقها من مركزية موقعها السياسي في القضية الوطنية الفلسطينية، ليست مطروحة على الإطلاق، على بساط البحث، ولا تخضع لأية مساومة، وهي عامل إستنهاض وطني عام، شكلت تهديدات سلطات الإحتلال لها وللحرم القدسي عنصر تفجير شعبي شامل.
•  الوحدة الميدانية التي تجلت في أبهى مظاهرها، والتي نجحت في تجاوز كل مظاهر الإنقسام والخلاف السياسي في الحالة الفلسطينية. وحدة القوى السياسية والروحية، ووحدة الشعب الفلسطيني، رغم الحواجز والموانع الجغرافية، ووحدة الهدف، ووحدة الشعارات، وبالتالي حالة شعبية شديدة التماسك، رفضت المساومة، وتصدت لكل أشكال القمع، في ظل قناعة راسخة بأن دحر إجراءات سلطات الإحتلال وإلغاءها، هو السبيل الوحيد لصون المقدسات، وصون عروبة المدينة. وفي هذا السياق، تجلت كذلك وحدة الأطراف الروحية (مسلمين ومسيحيين)، التي لعبت هي الأخرى عاملاً إضافياً في الفوز في المعركة.
•  عنصر التنظيم الذي نجح في توفير متطلبات صمود المعتصمين عند باب الأسباط، في تحدٍ يومي لسلطات الإحتلال. وإن كان عنصر التنظيم لم يظهر إلى العلانية، إلا أنه تواجد بقوة في قلب الميدان، عبّر عنه أبطال الإنتفاضة بأساليب مختلفة، وعبّر عنه أبناء بيت المقدس، بإحتضانهم للوافدين إلى المدينة من خارجها، للمشاركة في معركة الدفاع عن القدس وعن مقدسات شعبنا. وهي تعبيرات أعادت إلى الذاكرة المشاهد التي عاشتها الإنتفاضة الكبرى (الأولى 1987) التي شكل عنصر التنظيم فيها من خلال القيادة الوطنية الموحدة (فتح، ديمقراطية، شعبية، الحزب الشيوعي) ولجان العمل الشعبي ذات الأهداف المختلفة، أحد الأسلحة الفعالة في إدامة الإنتفاضة وتطورها.
•  القناعة العميقة لدى المقدسيين، بشكل خاص ولدى أبناء شعبنا بشكل عام، بعجز السلطة عن حل القضية بالأسلوب التفاوضي القائم وعبر قنوات التنسيق الأمني، تقابلها قناعة بضرورة أن تتحمل الحالة الشعبية مسؤولياتها التاريخية ـــ لقد تحول غياب اليقين بأهلية السلطة الفلسطينية لتحمل مسؤولياتها الوطنية والتاريخية نحو قضية كبرى كقضية القدس والحرم القدسي، إلى عنصر آخر من عناصر الإستنهاض، في تطور مهم في إدراك الحالة الشعبية لمسؤولياتها، ولقناعتها بقدرتها على تجاوز سقف السلطة، بل وعلى فرض إرادتها على السلطة ومؤسساتها.
•  عزز هذا اليقين، الواقع الخاص لمدينة القدس، حيث لا تمتلك السلطة القدرة على التأثير السلبي على الحراك الشعبي ولا الضغط عليه لخفض سقفه، والحد من تطوره. لقد وقفت السلطة الفلسطينية في الأسبوع الأول لإنتفاضة القدس والأقصى، موقفاً إنتظارياً، خاصة في ظل غياب رأس السلطة في جولات خارجية كانت موقع إنتقاد الشارع الفلسطيني وقواه السياسية وقياداته الروحية. وعندما التأمت مؤسسات السلطة، في وقت متأخر، وجدت نفسها تحت ضغط الشارع، ما أرغمها على تبني مطالبه، وإتخاذ قرارات، (وإن كانت ذات طابع تكتيكي) شكلت رضوخاً لإرادة الشارع، وإلتحاقاً بمواقفه. ولقد إعترف رئيس السلطة في لقائه مع وفد القدس، لاحقاً، بذلك حين أكد أن السلطة تبنت مواقف الشارع وقراراته. وهذا يشكل أيضاً تحولاً ملموساً في علاقة الشارع وقواه السياسية بالسلطة وقدرته، في حال توحدت قواه السياسية وأطرافها المختلفة، على رسم أهداف المعارك وآليات خوضها، وتوفير عناصر الصمود المطلوبة وأن يفرض إرادته على السلطة كما فرضتها إنتفاضة القدس والأقصى.
•  وحدة مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية وتجاوزها، برنامجياً ونضالياً، لعنصر التباعد الجغرافي. فقد توحدت في معركة القدس والأقصى، جماهير شعبنا، في الضفة، وفي مناطق الـ48 والتحمت معاً، في معركة واحدة، التقت معها في تحركات تضامنية ضاغطة، جماهير شعبنا في قطاع غزة، وفي مخيمات اللجوء ومناطق الشتات. لقد شكلت معركة القدس والأقصى، تجلياً باهراً، لطبيعة البرنامج الوطني الفلسطيني، برنامج وحدة الشعب، ووحدة حقوقه الوطنية والقومية، برنامج المقاومة في الميدان، وعلى المستوى الدولي، بديلاً لمشروع أوسلو، الذي إنهزم أمام إنتفاضة القدس والأقصى، حين أعلنت السلطة الفلسطينية (وإن في إطار تكتيكي) تجميد إلتزاماتها نحو إتفاق أوسلو، كالتنسيق الأمني وغيرها.
 اضطرار السلطة، تحت ضغط زخم الحركة الجماهيرية على الأرض، إلى اتخاذ إجراءات لوقف الاتصالات مع إسرائيل، بما في ذلك تجميد التنسيق الأمني، قرع أجراس الخطر لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي باتت تتخوف من أن تتطور الهبة المقدسية إلى انتفاضة شعبية شاملة، وهو ما لعب دوراً حاسماً في فرض التراجع غير المشروط عن الإجراءات الاستفزازية التي ظل الكابينت اليميني متمسكاً بها حتى اللحظة الأخيرة.
 وأكدت هذه التجربة بالملموس أن التوجهات التي تبناها المجلس المركزي الفلسطيني، في دورته الأخيرة المنعقدة في 15/3/2015، بشان إعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل، بما في ذلك وقف التنسيق الأمني والمقاطعة الاقتصادية، هي أولاً توجهات واقعية قابلة للتنفيذ، وأن تهويل البعض بانعكاساتها "التدميرية" على الوضع الفلسطيني هو مبالغة وهمية لا أساس لها. كما أنها ثانياً تشكل أسلحة ضغط فعالة بيد الشعب الفلسطيني قادرة على التأثير في القرار الإسرائيلي وبخاصة إذا استندت إلى مقاومة شعبية متصاعدة على الأرض.
 إن قيادة السلطة باتت تسلم بهذه الحقيقة. ولكنها، بتشديدها على ان هذه الأسلحة يجب أن تستخدم "في الوقت المناسب"، تكشف مرة أخرى عن تمسكها بالحرص على تفادي المواجهة الشاملة مع إسرائيل وحلفائها الأمريكيين وهو ما يدفعها إلى الاستخدام المتردد لهذه الأسلحة، أو الاكتفاء بالتهديد بها، كأدوات ضغط تكتيكية لتحسين مواقع السلطة في إطار المعادلة التفاوضية القائمة التي تحدد معالمها الرعاية الأمريكية المنفردة، وذلك بدلاً من تفعيلها كركائز وطيدة لإستراتيجية وطنية جديدة تسعى إلى جعل الاحتلال مكلفاً واحداث تغيير نوعي في المعادلة التي تحكم العملية التفاوضية.
4- الإنتصار الذي حققته إنتفاضة القدس والأقصى، وتراجع سلطات الإحتلال عن إجراءاتها الأمنية الهادفة للسيطرة على مقدسات شعبنا، وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 14/تموز/يوليو/2017،  ما هو إلا حلقة في سلسلة معارك ما زالت تنتظر عموم الحركة الوطنية الفلسطينية وفئات شعبنا في مناطق تواجده كافة. وهي معارك لا تقل أهمية عن الإنتفاضة الباسلة التي تحقق فيها الفوز الباهر، خاصة في ظل المشاريع التي تعكف حكومة نتنياهو على التحضير، والترويج لها، على الصعيد الدولي، والضغط لفرضها على شعبنا كأمر واقع.
•  من هذه المشاريع، إحداث تغيير ديمغرافي في سكان القدس، لصالح التواجد الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي، في إطار تهويد المدينة وطمس معالمها وإفراغها من سكانها. فعدا عن سياسة إفراغ المدينة من سكانها الفلسطينيين، بخطوات بطيئة، أدت فيما ما أدت إليه حتى الآن، إلى نزع وإلغاء إقامة أكثر من 14 الف فلسطيني مقدسي منذ إحتلال المدينة عام 1967، تخطط حكومة نتنياهو لإحداث تغيير في الحدود الإدارية لبلدية القدس الاحتلالية يؤدي إلى سلخ عدد من الأحياء الفلسطينية خارج الجدار، كمخيم شعفاط، وبيت حنينا وكفر عقب، وإخراجها من حدود البلدية، مع استمرار اخضاعها غير المشروع للسيادة الإسرائيلية، والتمهيد لاحقاً لضم عدد من المستوطنات الإسرائيلية المجاورة للمدينة إلى حدودها الإدارية البلدية، على طريق الضم النهائي لهذه المستوطنات، والفصل النهائي للبلدات العربية، لإعادة رسم حدود المدينة المقدسة، وتغليب العنصر الإسرائيلي اليهودي فيها، وتحويل السكان المقدسيين الأصليين إلى مجرد أقلية ضعيفة سياسياً وإقتصادياً.
كذلك تخطط حكومة نتنياهو لإقامة سلسلة واسعة من المشاريع الإستيطانية، ذات الطابع الإقتصادي التجاري، ما يؤدي إلى تعميق التبعية الإقتصادية للمدينة للإقتصاد الإسرائيلي، وإضعاف الإقتصاد الفلسطيني فيها، وتطويقه وخنقه وخلق بدائل له، تتجاوزه وتعمل على إلغائه.
•  يترافق ذلك مع تشديد إسرائيل لقيودها على المؤسسات الفلسطينية في المدينة، وتشتيت وإجهاض مبادرات مؤسسات المجتمع المدني العاملة فيها، بما تشكوه من ضعف كون معظمها يندرج في إطار المبادرات الفردية، ويفتقر إلى عنصر الدعم المستدام. تشكل هذه الإجراءات جزءاً من خطة متكاملة أدت فيما أدت إليه إلى إغلاق أكثر من 31 مؤسسة فلسطينية منذ العام 2001، بما فيها «بيت الشرق». وقد أدى مناخ القمع الإسرائيلي، إلى انتقال العديد من المؤسسات إلى خارج القدس مما تسبب بفراغ مؤسساتي كبير، مصحوباً بغياب القيادة السياسية الموحّدة. فالمؤسسات القائمة حالياً في القدس تفتقر إلى تمويل تشغيلي لتغطية احتياجاتها. أن إرتباط غياب المرجعية والقيادة السياسية الائتلافية الموحّدة في القدس، وغياب رؤية إقتصادية ثابتة لها، تسببت بفراغ تخطيطي لازالت تعاني منه القدس التي تعتبر عاصمة دولة فلسطين. ولعلنا ندرك خطورة ذلك إذا ما علمنا أنه تم تخصيص  0.44% في المئة فقط من ميزانية السلطة الفلسطينية لعام 2015 لوزارة شؤون القدس ومحافظة القدس.
5- إن خوض معركة القدس، بإعتبارها عاصمة الدولة الفلسطينية في ظل المخاطر العديدة التي تتهدها، يتطلب:
•  صياغة رؤية وطنية شاملة، سياسية، إقتصادية، تنموية، ثقافية إجتماعية، تطال مناحي الحياة كاملة لأبناء القدس، وتستجيب لضرورات معركتهم اليومية ضد الإحتلال والتهويد والتهميش والتدمير المنهجي للإقتصاد الوطني وتقويض الأسس الضرورية لصمود المجتمع المقدسي.
•  تشكيل مرجعية سياسية موحدة، على قاعدة الإئتلاف الوطني والشراكة الوطنية، وبحيث تعكس التركيب الإجتماعي والسياسي للمدينة، وتسليحها بخطة عمل، تشكل جزءاً من البرنامج الوطني الفلسطيني الموحّد.
•  رصد موازنات مالية للمؤسسات الرسمية والمنظمات الأهلية ذات الوظائف المختلفة، الإقتصادية والتربوية والثقافية والصحية والتنموية وغيرها.
•  إسناد فروع الإقتصاد المقدسي بمساعدات سنوية، وإستثنائية، خاصة كلما تعرضت المدينة لأزمات أمنية، كالأزمة التي شهدتها في تموز الماضي وانعكست سلباً على الأسواق التجارية للمدينة.
•  تدويل قضية القدس، في إطار تدويل القضية والحقوق الوطنية والقومية الفلسطينية، وإحالة ملفاتها في شكاوى رسمية إلى محكمة الجنايات الدولية، ضد مصادرات المنازل العربية، وهدمها، وبناء المشاريع الإستيطانية، بما يخالف قرارات الشرعية الدولية بما فيها قرار مجلس الأمن رقم 2334 بالإجماع (ديسمبر 2016)، والقرار الإستشاري لمحكمة لاهاي الدولية.
•  تخصيص يوم فلسطيني/عربي للقدس، تقام فيه الأنشطة والفعاليات السياسية والثقافية على المستويات الوطنية والعربية والدولية، لإبقاء قضية القدس، على جدول أعمال إهتمامات الدوائر المعنية في الميادين المختلفة.

ثانياً: العملية في ظل إدارة ترامب: الطريق المسدود
1- إنقضى على العملية التفاوضية، منذ أن إنطلقت في مؤتمر مدريد [خريف العام 1991]، خمسة رؤساء أميركيين، هم بوش الأب، كلينتون، بوش الإبن، وأوباما، وأخيراً، وليس آخراً، دونالد ترامب. شهدت القضية الفلسطينية، خلال هذه الإدارات الخمس، سلسلة متغيرات في السياسات الأميركية. إنتهت كلها إلى الفشل بتنفيذ الوعود بقيام حل للصراع الفلسطيني ــــ الإسرائيلي، وإقامة سلام متوازن بمرجعية قرارات ورعاية الشرعية الدولية.
مع الإدارة الأميركية الجديدة، شهدت سياسة واشنطن تغيرات واسعة، إبتعدت كثيراً عن سابقاتها، ولعل قضية نقل السفارة الأميركية إلى القدس، كما وعد ترامب في حملته الإنتخابية، شكلت عنواناً رئيسياً في مستهل تعاطي إدارته مع قضية الشرق الأوسط، وإن كانت الإدارة الجديدة، قد علقت قرار نقل السفارة إلى القدس، بنصيحة من دوائر القرار الأخرى في المؤسسة الأميركية، إلا أن امتناعها عن الاعتراف بوضعها القانوني، كأرض فلسطينية تحت الإحتلال الإسرائيلي، شكل مؤشراً بالغ الدلالة على مدى الإنحياز الأميركي للجانب الإسرائيلي في مقاربته لقضية الشرق الأوسط.
أما الخطوة الثانية التي ميزت سياسة الإدارة الحالية عن سابقتها، فهي موقف الرئيس ترامب الذي تخلى فيه عن تأييد بلاده لما يسمى «حل الدولتين»، والذي كان قد شكل عنواناً لإدارات كلينتون، بوش الإبن، وأوباما، والإعلان على أن ما يتفق عليه الطرفان هو الحل للصراع في المنطقة. وبالتالي فتح ترامب الباب على مصراعيه لطرح حلول وسيناريوهات حلول بديلة، هي أدنى بكثير من مشروع «حل الدولتين» حتى بمفهومه الأمريكي الهابط أساساً، وهي كلها مشاريع لا تتجاوز حدود الحكم الذاتي الفلسطيني الموسع المرتبط- ربما- بكونفدرالية مع الأردن مع الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية على كامل الأرض الفلسطينية غربي النهر.
ومن مظاهر السياسة الأميركية الجديدة، تخليها عن حدود حزيران 67 (مع تبادل أراض متفق عليه) كأساس للتفاوض. وإنحيازها لمطالب نتنياهو بالإبقاء على إحتلال إسرائيل لمنطقة الغور، وإعتبار الحدود الأردنية ــــ الفلسطينية، وبقاءها تحت السيطرة الإسرائيلية، هي الحدود الآمنة لدولة إسرائيل.
ومن مظاهر السياسة الأميركية الخطيرة الجديدة، الموقف من الإستيطان. حين إعتبرت أن «الإستيطان الإسرائيلي، لا يشكل عائقاً أمام المفاوضات»، خاصة وأن المستوطنات، طبقاً للرؤية الأميركية، سوف يتم ضمها لدولة إسرائيل في أي حل دائم مهما كانت عناصره. لذلك إعتبرت أن البناء الإستيطاني في القدس، وتوسيع المستوطنات القائمة، بما في ذلك البؤر الإستيطانية، أعمالاً ليس من شأنها أن تعرقل العملية التفاوضية أو تؤثر على نتائجها، خلافاً لمواقف الإدارات السابقة، مع العلم أن البؤر الإستيطانية وعددها حوالي 200 بؤرة، كانت الولايات المتحدة في إدارة كلينتون قد صادقت، في إطار تبنيها لتقرير ميتشل، على أنها «غير مشروعة»، ويجب تفكيكها.
وفي ظل قانون «تبييض المستوطنات» الذي أقرته الكنيست الإسرائيلية مؤخراً، وفي ظل الموقف الجديد لإدارة ترامب المؤيد لحق إسرائيل في الإستيطان، نكون أمام سلسلة جديدة من مشاريع الإستيطان الكبرى، التي ستطال القدس المحتلة وأنحاء مختلفة من الضفة الفلسطينية، وستشكل بالضرورة عنصراً فعالاً في رسم النتائج المسبقة لأية عملية تفاوضية، وستؤدي إلى إبتلاع الإستيطان لمساحات إضافية من الأرض المحتلة، في ظل تأييد أميركي معلن، وفي إطار إنتهاك فظ لقرارات الشرعية الدولية، وآخرها قرار المجلس الأمن رقم 2334، الذي سهلت إدارة أوباما تمريره حين إمتنعت عن التصويت ضده.
وفي إطار تهيئة المسرح السياسي لإستئناف العملية التفاوضية، خطت إدارة ترامب خطوة كبيرة تماهت بها مع الموقف الإسرائيلي، وتخلت عن الهامش الذي كانت الإدارات السابقة تحرص عليه لأسباب مختلفة. فقد دعت (أولاً) الجانب الفلسطيني إلى الدخول في المفاوضات دون شروط مسبقة، والمقصود ثلاثة شروط، يقدمها المفاوض الفلسطيني، على أنها متطلبات نجاح المفاوضات: 1) حل الدولتين 2) حدود 4 حزيران كأساس للتفاوض مع تبادل متفق عليه للأرض، 3) وقف الإستيطان. أما ثانياً، فقد تقدمت الولايات المتحدة من الجانب الفلسطيني، وعبر مبعوثها إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، بتسعة نقاط (شروط اسرائيلية – امريكية)، طلبت إليه الإلتزام بها، كشروط مسبقة لإستئناف المفاوضات. ونظرة فاحصة إلى هذه الشروط يتبين بوضوح أنها سلسلة شروط إسرائيلية كانت الحكومات المتعاقبة في تل أبيب، تتقدم بها متفرقة، كضغوط على الجانب الفلسطيني، في سياق العملية التفاوضية، كما كانت تغرق فيها العملية التفاوضية في جولات ماراتونية بديلاً عن بحث قضايا الإحتلال، ورحيله، والإستيطان، وتفكيكه، وقيام الدولة الفلسطينية وآليات قيام مؤسساتها المستقلة.
ما يزيد في خطورة شروط غرينبلات أنها تجاوزت حدود العملية التفاوضية كما كان معمولاً بها في الإدارات السابقة، لتطال قضايا جديدة، تندرج تحت عنوان "الحل الإقليمي"، والبدء بتطبيع العلاقات العربية – الإسرائيلية، واستحالة الوقف الكامل للاستيطان، وضرورة «وقف التحريض ضد إسرائيل، ولصالح الإرهاب ووقف صرف رواتب لعائلات الشهداء والأسرى»، وتعتبر رعاية م.ت.ف والسلطة الفلسطينية للأسرى وعائلات الشهداء، كما تعتبر الرواية التاريخية الفلسطينية، شكلاً من أشكال التحريض، يجب أن يتوقف، ما يقود في الواقع العملي، إلى إعتبار النضال الوطني الفلسطيني إرهاباً، وإعادة صياغة الخطاب السياسي الفلسطيني، ليتلاقى مع مفاهيم وقيم المشروع الصهيوني.
2- إذا كانت هذه النقلات المتراكمة تشكل الإنزياح الأميركي في إطار رعاية العملية التفاوضية، فإن النقلة الأكبر تمثلت في الإعلان عما يسمى بـ «الحل الإقليمي» وأشارات عن الكونفدرالية مع الأردن بديلاً لــ «حل الدولتين». وفي مهمة ومشاريع حكومات اسرائيلية و"الخيار الأردني". وقد إنطلق، بناء على دراسات وتوصيات لمفكري معهد واشنطن للشرق الأدنى [روس وماكوفسكي] من مبدأ إطلاق العملية السياسية في المنطقة على مسارين، مسار فلسطيني إسرائيلي، ومسار عربي ــــــ إسرائيلي [ إقليمي]، وهذا ما طرحه نتيناهو في اجتماعه مع ترامب في نيويورك 18/9/2017،  يستند إلى الترجمة الأميركية ــــــ الإسرائيلية لمبادرة القمة العربية في بيروت [2002] للوصول إلى ما أطلق عليه ترامب «صفقة القرن»، تقود إلى حل شامل للصراع العربي - الإسرائيلي، وتطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل، في إطار إعادة رسم المعادلات والخرائط في المنطقة، وتعريف أميركي إسرائيلي، لمفهوم الإرهاب، يرى أن مصدره في المنطقة لم تعد إسرائيل بل داعش من جهة، والجمهورية الإسلامية في إيران، من جهة أخرى، وبما يشمل ما تسميه الولايات المتحدة إمتداداتها في المنطقة كحزب الله.
هذا لا يعني بالضرورة أن المسارين سوف يسيران ويشقان طريقهما بالتوازي وبالوتيرة نفسها. إذ من المتوقع أن ينطلق المسار التفاوضي الثنائي الفلسطيني الإسرائيلي أولاً، مستنداً إلى كونه لا ينطلق من نقطة الصفر. ولعل تشكيل الفريق الثنائي الأميركي الفلسطيني من جهة، والفريق الثنائي الأميركي ــــــ الإسرائيلي من جهة أخرى، لترتيب مسرح المفاوضات الثنائية، يشير إلى أن هذا العام قد يشهد إستئناف مثل هذه العملية، في ظل توافق على مبدأ المؤتمر الإقليمي، الذي لن ينعقد بالضرورة في الأشهر القادمة، لكنه سيبقى صيغة سياسية تحالفية أميركية ـــــ عربية ـــــ إسرائيلية، أوسع من كونها صيغة تنظيمية. ومن المرتقب أن تعكس هذه الصيغة نفسها بوضوح على العديد من قضايا المنطقة، في مقدمها القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، حيث ترى العواصم العربية الحليفة للولايات المتحدة [الرياض خاصة] أن تقدماً ملموساً على المسار الفلسطيني من شأنه أن يعزز الأجواء الصالحة لعقد المؤتمر الإقليمي، وفتح الباب أمام خطوات تراكمية تقود إلى تطبيع هادئ وتدريجي للعلاقات العربية الإسرائيلية، وفي ظل إدعاء أن مثل هذا التطبيع من شأنه أن يمد المفاوضات الثنائية بقوة دفع إضافية، وأن يسبغ على نتائجها مشروعية عربية، تعزز من قوة المفاوض الفلسطيني، في مواجهة قوى المعارضة داخل الصف الفلسطيني وخارجه. وكخلاصة سياسية، في قراءة السياسة الأميركية الجديدة إزاء القضية الفلسطينية، يمكن القول إن البيت الأبيض يمارس سياسة الإنحياز الكامل لصالح الجانب الإسرائيلي، عبر تبنيه شروطه المسبقة كاملة، وتقديمها على أنها شروط أميركية خالصة، وعبر سحب قضية الإستيطان من التداول كعقبة أمام إستئناف المفاوضات، وعبر فتح الباب على مصراعيه أمام الجانب الإسرائيلي لفرض رؤيته للحل. وعبر (أيضاً) تجنيد الحالة السلطوية العربية والإقليمية في تعزيز عناصر القوة للمفاوض الإسرائيلي، وتعميق حالة الضعف التي يعانيها المفاوض الفلسطيني.
3- ما يعزز من قدرة الإدارة الأميركية والجانب الإسرائيلي على الضغط على الجانب الفلسطيني، حالة الضعف التي تعانيها القيادة السلطوية الفلسطينية والانقسام، وغياب البرنامج الوطني الموحّد. وهو شكل من أشكال الضعف المركب، الذي تتفاعل عناصره فيما بينها، لتنتج بطريقة جدية مزيداً من الإضعاف للمناعة السياسية للقيادة السلطوية الرسمية في إدارتها لملف المفاوضات.
•  فالسلطة الفلسطينية على سبيل المثال، تعيش أزمة إقتصادية، جعلت منها، في ظل نظامها الإقتصادي القائم أساساً على مساعدات وقروض الجهات المانحة، وفي ظل تبعية كاملة للإقتصاد الإسرائيلي، قيداً ضاغطاً على سياستها، يكبلها بسلسلة من الشروط السياسية المفروضة عليها من قبل الإحتلال (في سياق إتفاق أوسلو وتطبيقاته، وبروتوكول باريس وتطبيقاته) ومن قبل الجهات المانحة الأوروبية والأمريكية، وفي سلسلة للإجراءات والقرارات والقوانين الأوروبية تحت عنوان «تحريم اللاسامية» بما في ذلك حملة مقاطعة المستوطنات والإقتصاد الإسرائيلي B.D.S) ).
يزيد من فعالية هذه الإجراءات وقدرتها على الضغط على القيادة السلطوية الرسمية في م.ت.ف وفي السلطة، أنها شهدت تحولات إجتماعية طبقية، خلال ربع قرن من الزمن في نظام سياسي فريد من نوعه، مقيد باتفاقات اذعان سياسية واقتصادية، راكمت من خلالها الفئات البيروقراطية العليا، وتداخلها مع فئات من رجال المال والأعمال، مصالح سياسية واقتصادية ونفوذاً اجتماعياً، جعل منها أسيرة للحالة القائمة، ترى مصالحها في  الحفاظ على استقرارها السياسي والأمني، وعلى تلبية الشروط التي تضمن موقعها في اطار المعادلة السياسية الاقليمية، كما ترسمها الدوائر المقررة في واشنطن وفي تل أبيب، بالتعاون مع بعض العواصم العربية. لذلك لا غرابة أن تصر قيادة السلطة الفلسطينية على التأكيد على مبدأ شراكتها مع الإدارة الأميركية الحالية، في العمل على إحياء العملية السياسية بشروطها الجديدة، النازعة أكثر فأكثر نحو التشدد، على حساب المصالح الفلسطينية الوطنية العليا.
تقود هذه السياسة السلطوية إلى حالة من الافتراق التدريجي عن المزاج السياسي العام في الحالة الفلسطينية، تعكسه بوضوح استطلاعات الرأي، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتحركات الشعبية المنظمة المطالبة بمقاطعة الاقتصاد الاسرائيلي ووقف التنسيق الأمني، واعادة  صياغة أخرى جديدة لكل أشكال العلاقات مع الإستيطان، لأجل الدفاع عن المصالح الاجتماعية للفئات المتضررة من سياسات السلطة، التي وإن بدت في  ظاهرها ذات طبيعة اجتماعية اقتصادية ، إلا أنها تعكس تحولات سياسية لدى مركز القرار، في الشأن الاجتماعي، تنسجم مع خياراته السياسية العامة إزاء الصراع مع الجانب الاسرائيلي.
كما قادت هذه السياسة إلى إضعاف وتدهور حالة الشراكة الوطنية الفلسطينية، وعرّضت الأسس السياسية لوحدة الصف الوطني، ومبادئ الإئتلاف الوطني  في إطار م.ت.ف، الجبهة الوطنية المتحدة، إلى خطر الخلخلة، بما في ذلك الذهاب بعيداً في سياسة التفرد باتخاذ القرار السياسي، والعمل على تهميش مؤسسات م. ت. ف وتعطيل قراراتها الاستراتيجية، والتمسك بالتزامات أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي، على حساب الالتزام بالبرنامج الوطني الفلسطيني، كما ظهرته في 26/6/2006 وثيقة الوفاق الوطني، وكما صاغ قراراته العملية وآليات تطبيقه المجلس المركزي الفلسطيني في دورته الأخيرة في 5/3/2015 وقرارات الإجماع الوطني، واللجنة التحضيرية للمجلس الوطني في 10-11/2017 بتشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة لإنهاء الإنقسام والذهاب إلى انتخابات رئاسية وتشريعية ومجلس وطني توحيدي جديد في الوطن والشتات وفق قانون التمثيل النسبي الكامل. إن سياسة أوسلو لا توفر الغطاء السياسي الوطني  للقرار السياسي الفلسطيني، وتشوه مشهد الحالة الفلسطينية أمام الأخرين، بما في ذلك تجريدها من كل المظاهر والعناصر الخاصة بها كحركة تحرر وطني لشعب يناضل لإنهاء الاحتلال، وكجزء لا يتجزأ من حركة التحرر الوطني العربية وحركة الشعوب المناضلة ضد سياسات الامبريالية الأميركية، واستعمار التوسع الاسرائيلي في القدس والضفة وحصار قطاع غزة.
ثالثاً: في إنهاء الانقسام ومستقبل الأوضاع الفلسطينية
1- بعد أكثر من عشر سنوات عجاف من الانقسام المدمر، بين حركتي فتح وحماس، وفي جولة جديدة من الحوار والضغط، نجحت القاهرة في إحداث نقلة  في الوضع الفلسطيني، حين أعلنت حركة حماس موافقتها على إنهاء الانقسام، وحل لجنتها الادارية للإشراف على وزارات السلطة في قطاع غزة، وعلى عودة حكومة الوفاق الثنائي بينها وبين فتح، لممارسة صلاحيتها في القطاع، على أن يتلو ذلك حوار مباشر، بين الحركتين، وبرعاية مصرية، للاتفاق على الخطوات والآليات الضرورية لإنهاء الانقسام وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، وفي عموم الحالة الفلسطينية، يتلو ذلك اجتماع عام تحضره كل الفصائل، من أجل المصادقة على الاتفاق، والمشاركة في اللجان المعنية بتطبيقاته في المجالات والميادين المختلفة، وفق أجندة زمنية يتم الاتفاق عليها.
رحبت الفصائل الفلسطينية بهذا الاتفاق، ورأته خطوة تشكل منعطفاً في الحياة السياسية الفلسطينية، ودعت الطرفين إلى الالتزام به، وعدم الانقلاب عليه، والتحلي بالإرادة السياسية القوية لتجاوز العقبات والصعوبات التي يمكن أن تقف في طريق تطبيقه، بعد أكثر من عشر سنوات عجاف، نمت خلالها لدى الطرفين، فئات وشرائح بنت لنفسها مصالح وامتيازات في ظل الانقسام ولعبت أدواراً معطلة للعديد من الاتفاقات التي سبق وأن تم التوافق عليها.
إذ، وبعد أسبوع واحد من وقوع الانقسام أي في 21/6/2007 بادرت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى إطلاق أول مبادرة تدعو إلى العودة عنه، وإنهائه، وإلى المصالحة بين الطرفين، واستعادة الوحدة الداخلية، والالتزام بوثيقة الوفاق الوطني (2006) التي شكلت محطة تاريخية لبناء أساس متين لائتلاف يجمع تحت سقفه القوى السياسية داخل وخارج منظمة التحرير الفلسطينية. ثم تقدمت الجبهتان، الديمقراطية والشعبية بمبادرة مماثلة، تلتها مبادرة ثلاثية مع حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين. وقد شكلت هذه المبادرات الثلاث الأساس الذي قامت عليه كل المبادرات اللاحقة، الفلسطينية والعربية والاقليمية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الداخلية، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية في السلطة وفي م.ت.ف، على أسس ديمقراطية، وبالانتخاب الحر والنزيه والشفاف، بموجب قانون التمثيل النسبي الكامل. وعلى قاعدة هذه المبادرات الثلاث، [ والتي افتتحت صفحتها الجبهة الديمقراطية في 21/6/2007] توافقت الفصائل الفلسطينية، (13 فصيلاً) في اجتماعها في القاهرة في 4/5/2011، على وثيقة وطنية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الداخلية، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية. غير أن ضعف الإرادة السياسية لدى الطرفين، والرهانات الفاشلة التي بنى كل منهما سياسته على أساسها، ومصالح مادية وقوة نفوذ التيار الانقسامي لدى الطرفين، كلها عوامل أدت على الدوام إلى إفشال المبادرات والاتفاقات وإدامة الانقسام، وإلحاق الخسائر والكوارث بأبناء شعبنا وإلحاق الضرر الشديد بالقضية الوطنية الفلسطينية وتشويهها، في أعين الرأي العام العربي والدولي، وإفساح المجال أمام الأطراف الخارجية، عربية واقليمية، للتدخل الفظ في الشأن الفلسطيني، وصب الزيت على نار الانقسام، والدفع نحو المزيد من الإخفاق للحالة الفلسطينية وتفتيت وحدة الموقف السياسي، وفرض الحصار من قبل الطرفين على الحركة الشعبية الفلسطينية، والتضييق على الحريات الديمقراطية، وتعطيل المؤسسة التشريعية، وإدارة الشأن العام، في الضفة والقطاع، وكل بأسلوبه، بالمراسيم والقوانين والاجراءات الفوقية، ما أدى إلى تدهور حاد في العلاقات الوطنية الفلسطينية، وإلى تدهور حاد في ثقة المواطن الفلسطيني بالمؤسسة الفلسطينية وقدرتها على تحمل مسؤولياتها في المجالين الوطني والاجتماعي، وتأمين مستقبله ومستقبل قضيته الوطنية.
2- لقد تضافرت سلسلة من العوامل، التراكمية والمباشرة، في إنجاح المبادرة المصرية والوصول مع الطرفين إلى اتفاق. من أهم هذه العوامل:
أ) الضغط الشعبي والسياسي، الذي مارسته جماهير شعبنا الفلسطيني وقواه السياسية ومؤسسات المجتمع المدني فيه، ولعل آخرها أعمال اللجنة التحضيرية التي انعقدت في بيروت، ولقاء الفصائل الفلسطينية في موسكو(كانون الثاني /يناير/2017) التي وضعت خطة طريق لإنهاء الانقسام، تقوم على خطين متوازيين: الأول العودة عن خطوات الانقسام وعودة حكومة رام الله لمزاولة مهامها في قطاع غزة، والثاني دعوة رئيس السلطة لإجراء مشاورات فورية لتشكيل حكومة وحدة وطنية، تهيئ الأجواء لانتخابات شاملة، رئاسية، (انتهت ولاية الرئيس منذ مطلع العام2010) وتشريعية، للمجلس التشريعي في السلطة الفلسطينية(الذي انتهت هو الآخر ولايته منذ مطلع العام 2010) وللمجلس الوطني الفلسطيني (الذي انتهت ولايته منذ العام 1996) على أن تكون انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وبموجب قانون التمثيل النسبي الكامل، ما يفتح الباب لعودة المجلس التشريعي لممارسة دوره، وبما يعيد التوازن إلى أداء مؤسسات السلطة ويضع حداً لتغول السلطة التنفيذية، ورئيسها، وبما يمكن من تشكيل مجلس وطني جديد، ومنتخب، في الداخل والخارج، وحيث أمكن، ويعقد اجتماعه في مكان يحضره الجميع.
ب) وصول مشروع أوسلو إلى الطريق المسدود، وهو يدخل عامه الخامس والعشرين، وسقوط الرهانات على الدور الأميركي، وعلى سلسلة المبادرات المماثلة، ومنها مؤتمر باريس، الذي انعقد نهاية العام الماضي  وأسفر عن نتائج هزيلة جداً. لقد أدت سياسة الخيار الوحيد، سياسة الرهان على المفاوضات الثنائية تحت الرعاية المنفردة للولايات المتحدة، إلى إلحاق الضرر بالقضية الوطنية الفلسطينية وإفقادها الكثير من أوراق القوة، وإضعاف موقعها في الحسابات الدولية، والاقليمية والعربية، خاصة بعد إنشغال العديد من العواصم العربية بملفاتها الداخلية، وحروبها المحلية، وأزماتها السياسية كما أدت إلى إضعاف نفوذ قيادة أوسلو في صفوف الجماهير، وإضعاف حركة فتح، وتعميق الأزمات الاجتماعية التي يعاني منها أبناء شعبنا، في ظل "سلطة بلا سلطة"، وتحت ضغط نير الإحتلال (إحتلال بلا كلفة) وفي ظل عملية سياسية عقيمة، شكلت غطاء سياسياً للإحتلال ليمارس كل أشكال القمع والبطش بحق أبناء شعبنا، وليوسع مشاريعه الإستيطانية، بما فيها التغول أكثر فأكثر في تهويد القدس، وتعميق إجراءات فصلها عن الضفة الفلسطينية.
ومما لا شك فيه أن اعتراف الخطاب الذي ألقاه الرئيس عباس في الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأخيرة (20/9/2017) عكس بوضوح طبيعة الحالة التي وصل إليها مشروع أوسلو، وإفلاس طريقه نحو الحل، كما عكس، وإن بشكل غير مباشر، أن الحل هو في العودة إلى البرنامج الوطني الفلسطيني، برنامج العودة وتقرير المصير والإستقلال، برنامج الإنتفاضة والمقاومة، وتدويل القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك تطبيق قرارات المجلس المركزي في دورته الأخيرة (5/3/2015) في وقف التنسيق الأمني، ومقاطعة الإقتصاد الإسرائيلي، وإستنهاض الإنتفاضة وحمايتها وتطويرها نحو عصيان وطني شامل، إلى أن يحمل الإحتلال عصاه ويرحل عن أرض الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية بحدود 4حزيران (يونيو) 1967.
جـ) فشل مشروع الإنقسام ووصوله إلى نهاياته المحتمة، وسقوط رهانات حماس العربية والإقليمية. لقد بنت حماس رهاناتها عند الإستيلاء على قطاع غزة، وفرض سلطتها كأمر واقع، على تطورات إقليمية وعربية لصالح الإسلام السياسي، تمكنه من لعب دور في صياغة سياسات المنطقة ومستقبلها. ولقيت تشجيعاً على ذلك من قطر وتركيا، وقيادة الحركة الإخوانية. عزز من هذه الرهانات التطورات التي شهدتها المنطقة منذ العام 2011. ووصول حركة الإخوان إلى السلطة في مصر، وحركة النهضة في تونس. غير أن فشل هاتين الحركتين، وتفاقم الأوضاع الإجتماعية والأمنية في قطاع غزة، وفشل حركة حماس في إيجاد حلول برنامجية تخرج القطاع من أزمته الإجتماعية، والنتائج المأساوية للحصار. كلها عوامل أدت إلى دفع الحركة الإسلامية لإعاد النظر بسياساتها القائمة على المغامرة والمقامرة، والإستفراد بالقطاع، والخروج عن البرنامج الوطني الإئتلافي وآليات تطبيقه كما رسمتها وثيقة الوفاق الوطني (2006). وقد أعطت حماس أكثر من إشارة تؤكد أزمتها وفشل مشروعها، بدءاً من موافقتها (ولو اللفظية) على خطورة الإنقسام على الحالة الوطنية الفلسطينية وضرورة إنهائه، ثم سلسلة التصريحات القيادية بما تحمله من مواقف تمهد لسياسة أخرى، بلورتها حماس في وثيقتها السياسية التي أعلن عنها رئيس المكتب السياسي السابق للحركة خالد مشعل، قبل رحيله لصالح خلفة اسماعيل هنية. كذلك شكلت نتائج الإنتخابات القيادية في الحركة [على مستوى المكتب السياسي في القطاع، أو على مستوى المكتب السياسي لقيادة الحركة]، مؤشراً آخر، بالغ الدلالة، جرى التعبير عنه في التفاهمات التي عقدتها قيادة الحركة في القطاع مع القاهرة، والتفاهمات التي عقدتها مع محمد دحلان، برعاية مصرية. لقد شكلت موافقة حماس على إنهاء الإنقسام، عملاً بالمبادرة المصرية، وتراجعها عن مواقفها وشروطها السابقة، إعترافاً بالفشل الذي وصلت إليه سياستها الإنقسامية، وإعترافاً بضرورة العمل الفلسطيني المشترك، بإعتباره السبيل الوحيد لصون القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، وحماية القطاع، وتأمين المستلزمات الضرورية لحل مشاكله الإجتماعية المتفاقمة، بما ذلك إعادة إعمار ما هدمه العدوان الإسرائيلي.
د) أخيراً، وليس آخراً، حرص القاهرة على صون موقعها ودورها إزاء القضية الفلسطينية، وإخراجها من دائرة التجاذبات والتدخلات العربية والإقليمية، وسياسة تعميق وتمويل الإنقسام، واللعب بالورقة الفلسطينية وبشكل خاص بالموقع الذي يحتله قطاع غزة في بناء مفهوم الأمن القومي المصري، وتأثيرات أوضاعه الداخلية على الجوار المصري، وبشكل خاص على أوضاع شبه جزيرة سيناء. وكان من الطبيعي أن تمهد القاهرة لمبادرتها لإنهاء الإنقسام، بمباحثات مطولة مع حركة حماس أدت إلى سلسلة من التفاهمات الأمنية والإجتماعية بما يخدم المصلحتين الفلسطينية والمصرية. لذا ستلعب مصر دوراً مركزياً في إنجاح إتفاق إنهاء الإنقسام، إن في رعاية عودة حكومة السلطة الفلسطينية لممارسة واجباتها نحو قطاع غزة، أو في وضع آليات تطبيق بنود الإتفاق، في جوانبه المختلفة، خاصة وأن إنقساماً دام أكثر من عشر سنوات مريرة، لا بد أنه راكم العديد من القضايا والمشكلات، التي إن لم يتم حلها بآليات توافقية تنطلق من المصلحة الوطنية، وبعيداً عن سياسة المحاصصة الضيقة، أو الخضوع للمصالح الفئوية، لتحولت إلى ألغام من شأنها أن تفجر الإتفاق أو في الحد الأدنى أن تعيق تنفيذه.
3- إن اللجنة المركزية وهي ترحب بالاتفاق، وتدعو لتطبيقه كاملاً، بما ينهي الانقسام بشكل نهائي، ويعيد بناء المؤسسات الوطنية، فإنها في الوقت نفسه، تدرك حجم الصعوبات والعراقيل المتوقع أن تقف في طريق تنفيذ الاتفاق وإنهاء الانقسام، في ظل عشر سنوات من التباعد في المصالح الفئوية والتحالفات الاقليمية والاحتراب الإعلامي والاعتقالات والاعتقالات المضادة التي تركت آثارها الضارة على الجسم الوطني بكامله. وتدرك اللجنة المركزية، في الوقت نفسه، أن الإرادة السياسية الصادقة، وأن سياسة تغليب المصالح الوطنية على المصالح الفئوية، لا بد أن تشكل شرطاً أساسياً من شروط تنفيذ الاتفاق وتطبيقه. لذلك ترى اللجنة المركزية  ضرورة تكريس مبدأً الشراكة الوطنية في حل القضايا والمشاكل الناتجة عن الانقسام، من خلال لجان وطنية، تتحمل مسؤولياتها أمام أبناء شعبنا والرأي العام، خاصة بعد أن أثبتت التجربة، على مدى أكثر من عشر سنوات، أن اللقاءات الوطنية هي التي قدمت الحلول لإنهاء الانقسام، بينما فشل الطرفان، على مدى لقاءاتهما الثنائية العديدة في الوصول إلى اتفاقات ناجحة،  أو الالتزام بها.
ومع أهمية القضايا العالقة بين الطرفين، وكقضية الازدواجية الوظيفية، واعتماد موظفي حماس المنسبين إلى الإدارة خلال سنوات الانقسام، وكذلك المنسبين إلى الأجهزة الأمنية، فإن اللجنة المركزية ترى في السياق ضرورة التركيز على القضايا الجوهرية، ليتلمس أبناء شعبنا ثمرات إنهاء الانقسام وثمرات العودة إلى الوحدة الداخلية.
في مقدمة هذه القضايا. العمل مع الجانب المصري على نظام وآليات لفتح معبر رفح بشكل دائم، وتطويره ليصبح معبراً للمسافرين وللتجارة، بما يمكن القطاع من تجاوز العقبات الاسرائيلية، وتحطيم أسوار الحصار الاسرائيلي المفروض عليه، وكذلك حل جذري لمشكلة الكهرباء، والصحة والاستشفاء والبيئة، كما تدعو اللجنة المركزية إلى إطلاق مشروع تنموي طارئ لقطاع غزة، في ظل تدهور أوضاعه البيئية وتعقيدات شروط العيش فيه، كما تؤكد ذلك التقارير الدولية، ومن أجل المساهمة في حل مشكلة البطالة، وفتح  أفق أمام الشباب، والحد من الهجرة إلى الخارج، مع التأكيد في السياق نفسه على ضرورة إعادة إعمار ما دمره العدوان الاسرائيلي.
كما ترى اللجنة المركزية أن انهاء الانقسام واستعادة الوحدة الداخلية وعودة حكومة السلطة لمزاولة مهامها في قطاع غزة، سيضع السلطة الفلسطينية والأذرع العسكرية لفصائل المقاومة أمام معادلة، تمكن السلطة من أداء دورها في حفظ الأمن الداخلي، وأمن المواطنين، وتطبيق القانون، وتمكن المقاومة، في الوقت نفسه من أداء دورها في الدفاع عن القطاع ضد التهديدات الاسرائيلية واعتداءات جيش الاحتلال. ولا بد لهذه المعادلة أن تقوم على أسس واضحة، بحيث لا تتدخل المقاومة في الشأن الأمني الداخلي، ولا تتدخل الأجهزة الأمنية في الشأن الدفاعي عن القطاع. وهو أمر، كما ترى اللجنة المركزية، يستلزم العمل على تشكيل غرفة عمليات مشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية، تكون معنية بصياغة خطة دفاعية شاملة عن القطاع، تصون أمنه و أمن أبنائه، كما تصون أمن المقاومة، وتفوت على الاحتلال الاسرائيلي الفرص لزرع الفتنة، كالادعاء بمساواة المقاومة  بالإرهاب، أو الضغط على السلطة لسحب سلاح المقاومة، على غرار الفتنة التي حاولت  حكومة شارون عام 2003 أن تزرعها في الصف الوطني في ظل حكومة محمود عباس الأولى.

رابعاً: الإنتخابات المحلية في الضفة الفلسطينية
جرت الإنتخابات البلدية والمحلية، في الضفة الفلسطينية على دورتين، وقد أكدت الجبهة في العديد من مواقفها ضرورة إنتظام هذه الإنتخابات في مواعيدها القانونية، كما أكدت حرصها على ضرورة أن تشمل مناطق السلطة الفلسطينية كافة، بما فيها قطاع غزة، وأن تكون مناسبة لتكريس العلاقات الوطنية، والعلاقات بين القوى السياسية والحالة الشعبية، على أسس ديمقراطية جديدة وحقيقية وملموسة وعلى مبدأ التمثيل النسبي الكامل، الذي من شأنه أن يبني العلاقات الإئتلافية على أسس ديمقراطية ويرسخ مبدأ التوازن في الشراكة الوطنية، وعلى قاعدة " شركاء في الدم شركاء في القرار".
كما أكدت الجبهة حرصها على أن تحتل المجالس البلدية والمحلية، دورها في تطوير آلية تنظيم المجتمع الفلسطيني وتعزيز دور مؤسساته وأدواته المحلية في إدارة شؤونه ومعالجة قضاياه في مجال البيئة، والبنية التحتية، والثقافة، والبطالة، وغيرها من القضايا الإجتماعية بما فيها الإهتمام بأجيال الشباب وقطاعات المرأة، الأمر الذي من شأنه أن يعزز تماسك المجتمع الفلسطيني، وأن يعزز إرادته النضالية، وثباته وصموده في معاركة الوطنية، ضد الإحتلال، وضد زحف إستعمار الإستيطان.
من هذا الموقع شاركت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بالإنتخابات في الضفة الفلسطينية بأشكال مختلفة، تراوحت بين اللوائح الحزبية، واللوائح الإئتلافية مع قوى أخرى، أو مع فعاليات مستقلة. وفرت الفوز لأكثر من 212 عضواً في المجالس البلدية والمحلية، وبذلك تكون الجبهة قد فازت بما نسبته أكثر من 6% من مجموع أعضاء المجالس المحلية والبلدية. وهي نسبة متقدمة، إلى حد ما، عما حققته الجبهة في العام 2012، وقد ثمنت اللجنة المركزية الدور الذي لعبته هيئات الجبهة في الضفة الفلسطينية في إنجاح العملية الديمقراطية، وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، في سياق رؤيتها السياسية الكفاحية الشاملة للمعركة الوطنية التي يخوضها شعبنا من أجل حقوقه الوطنية المشروعة.
إن اللجنة المركزية تؤكد على ضرورة أن يتشكل لرفاقنا وأصدقائنا في المجالس البلدية والمحلية أطر تنظيمية منظمة، تعنى برسم وتطوير توجهات العمل الواجب للنضال ومن أجل أن تشكل جزءاً من خطط عمل الهيئات المنتخبة في كل مدينة أو بلدة أو مخيم أو قرية، ومن أجل تأهيل ورفع قدرات هؤلاء الرفاق والأصدقاء على أداء الدور المنوط  بهم الملوس للشعب في كل  موقع وعلى مستوى المحافظة وعموم الضفة، وبما يرتقي إلى رؤية الجبهة لدورها وتوسيعة وانتشاره وتمدده في الضفة الفلسطينية والقدس في هذا الميدان، ويستجيب لطموحات وتطلعات الناخبين الذين أوصلوا هذا الصف من المناضلين إلى موقع المسؤلية.

خامساً: من أجل الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق المواطنين
أدت حالة الانقسام إلى تعطيل عمل المجلس التشريعي وتغييب آليات الرقابة البرلمانية والشعبية على السلطة التنفيذية، سواء في الضفة الفلسطينية أو قطاع غزة. وساعد ذلك على إحداث تدهور متسارع في حال الحريات العامة والتطاول على حقوق المواطنين التي يكفلها القانون الأساسي ووثيقة إعلان الاستقلال. وتفاقمت في الشهور الأخيرة ظاهرة تغول السلطة التنفيذية ومصادرتها صلاحيات سائر السلطات ونزوعها نحو إشاعة أجواء الاستبداد البوليسي والانتهاك المنهجي لحقوق المواطنين وحرية الرأي والتعبير والتجمع والتظاهر والتنظيم.
ففي غزة انتحلت كتلة حماس البرلمانية منفردة صفة المجلس التشريعي وأباحت لنفسها التصرف بصلاحياته بإصدار القوانين والقرارات التي تعزز الممارسات الاستبدادية للسلطة التنفيذية بما في ذلك حظر الاجتماعات العامة واعتقال المواطنين على خلفية انتمائهم السياسي (لحركة فتح وجميع الفصائل) ومنعهم من السفر واستخدام القوة لقمع الاحتجاجات السلمية واضطهاد الصحفيين.
أما في الضفة الفلسطينية فقد استخدمت الصلاحيات التشريعية التي يبيحها القانون الأساسي للرئيس، في حال تعطيل المجلس التشريعي، من اجل اصدار سيل من القرارات بقانون (مرسوم) التي تعزز من هيمنة السلطة التنفيذية والإطاحة بمبدأ فصل السلطات ومصادرة صلاحيات السلطة التشريعية بما في ذلك رفع الحصانة عن النواب المنتخبين ووقف رواتبهم وانتهاك أجهزة الأمن لحرمة المجلس التشريعي. واستخدمت آليات ملتوية من أجل تشديد قبضة السلطة التنفيذية على القضاء والنيل من استقلاله ومحاولة قوننة إخضاعه من خلال مشروع القرار بقانون لتعديل قانون السلطة القضائية والذي جوبه برفض شامل ومقاومة شديدة من القضاة والمحامين وأعضاء النيابة العامة ونواب المجلس التشريعي والمؤسسات الحقوقية والأهلية ما أدى إلى تراجع السلطة عن البت بمشروع القرار بقانون واحالته إلى لجنة شكلت لإصلاح نظام العدالة والقضاء وهو ما يطرح ضرورة استمرار تعبئة الرأي العام من اجل وأد هذا المشروع نهائياً بما ينطوي عليه من تطاول على استقلال القضاء بهدف إخضاعه لهيمنة السلطة التنفيذية.
وشهدت الفترة الأخيرة تصعيداً في الممارسات البوليسية لقمع حرية الرأي والتعبير توج بإصدار القرار بقانون بشأن «الجرائم الالكترونية» الذي استخدم من اجل ترويع واعتقال العشرات من الصحفيين والمدونين وكتاب الرأي ونشطاء المقاومة الشعبية، والذي يواجه اليوم أيضاً بمقاومة جماهيرية متنامية.
ان استنهاض الحملة من اجل إلغاء هذا القانون المشؤوم وتنظيمها والاستناد إليها من أجل بناء جبهة عريضة للدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق المواطنين والتصدي لتغول السلطة التنفيذية وللانتهاكات الاستبدادية من قبل أجهزة الأمن، هي اليوم مهمة بارزة من مهمات نضالنا وشرط رئيسي من شروط صون قدرة شعبنا على الارتقاء بنضاله الوطني التحرري ومجابهته للاحتلال.


سادساً: من أجل تعزيز الديمقراطية في العلاقات الوطنية وداخل المؤسسات الإئتلافية والإتحادات الشعبية
احتلت هذه المسألة موقعاً متقدماً في إهتمامات وبرنامج عمل الجبهة خلال الفترة الماضية، بكل ما تطلبه هذا الأمر من خوض معارك سياسية وإعلامية وجماهيرية وتنظيمية تحت سقف الديمقراطية والشفافية والمصارحة الوطنية، وعلى قاعدة انتخابية بالتمثيل النسبي الكامل ضمانة الشراكة الوطنية، وفي ظل حرص صارم على صون العلاقات الوطنية وقواعد الإئتلاف الوطني ومبادئ الشراكة الوطنية، والتصدي بكل الشجاعة والعزم المطلوبين لسياسة الإستفراد والتفرد بالقرار الوطني السياسي والنقابي والإجتماعي، وتجاوز الهيئات الوطنية، ومحاولات تهميشها وإفراغ هياكلها من مضمونها.
وفي هذا الإطار خاضت الجبهة المعارك التالية:
• التصدي لسياسة إفراغ الهيئات القيادية، واللجنة التنفيذية بشكل خاص، من مضمونها، وتحويلها من قيادة يومية لشعبنا الفلسطيني، إلى مجرد هيئات إستشارية لا يؤخذ حتى برأيها، ويشكل المطبخ السلطوي السياسي بديلاً لها. وقد تحملت الجبهة مسؤولياتها الوطنية  في هذا المجال، وتقدمت الصفوف، تنتقد بصوت عالٍ، هذه السياسة، وتدعو لإصلاح اوضاع اللجنة التنفيذية، إن في إعتماد صيغة إجتماعات دورية، أو في إعادة الإعتبار لها، كقيادة يومية لشعبنا، تتخذ القرارات الملزمة، على مبدأ الإئتلاف الوطني، والشراكة الوطنية، على رأس م.ت.ف، الجبهة الوطنية المتحدة لشعبنا وقواه السياسية.
•  التصدي لسياسة إفراغ دوائر اللجنة التنفيذية من مضمونها، وإحالة  وظائفها، بقرار متفرد، إلى وزارات السلطة الفلسطينية، في إطار رسم معادلة جديدة تقود إلى المزيد من الإضعاف والتآكل والتهميش لمنظمة التحرير وموقعها ودورها السياسي، وتغليب نفوذ وسطوة السلطة ومؤسساتها على حساب الدور القيادي للمنظمة. إن الجبهة ترى أن هذه السياسة تحكمها نزعة تعميق سياسة الإنفراد والتفرد بالقرار. خاصة وأن مؤسسات السلطة تشكو الخلل الكبير في ظل العطالة الطويلة للمؤسسة التشريعية في الضفة والقدس وقطاع غزة [المجلس التشريعي] وغياب الرقابة والمساءلة والمحاسبة، مما يوفر لنزعة الإنفراد السلطوي الفئوي والتفرد هامشاً أوسع، لإعتماد السلطة السلطوية التنفيذية (حكومة السلطة) بديلاً للجنة التنفيذية، من خلالها تمرير سياساتها الانفرادية الفئوية والفردية على القضايا العامة الوطنية والإجتماعية التي أدت إلى الأزمات الطاحنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفقر والبطالة، دون حلول وطنية للمشكلات السياسية والاجتماعية.
ومما لاشك فيه أن المعركة التي تخوضها الجبهة ومنظماتها الشعبية، وعموم الجاليات الفلسطينية في الشتات، لصون مكانة ومهام ووظيفة دائرة شؤون المغتربين، في أنحاء المعمورة، في إطار المعركة الوطنية ضد المشروع الصهيوني، تشكل نموذجاً للدور المتقدم الذي تقوم به الجبهة في دفاعها عن مكانة المنظمة، ومكانة اللجنة التنفيذية ومكانة دوائرها المختلفة، كما تقوم به في إطار حرصها على تنظيم الحركة الشعبية في المهاجر والمغتربات على أسس ديمقراطية وقوانين التمثيل النسبي، لتوحيد وائتلاف كل قوى وتيارات الشعب في مرحلة التحرر الوطني في الوطن المحتل واللجوء والشتات، بعيداً عن هيمنة البيروقراطية السلطوية، وهيمنة سفارات السلطة المصابة بحالة من القمع والتهميش للحركة الشعبية، ومحاولاتها الفاشلة للهيمنة عليها.
•  التصدي لسياسة تعطيل الهيئات الوطنية وتعطيل قراراتها وتكريس سياسة اللون الواحد، على غرار ما يجري من تعطيل لأعمال المجلس المركزي في م.ت.ف، ولقراراته التي إتخذها في دورته الأخيرة في 5/3/2015، بإعتماد سياسة وطنية جديدة وبديلة توحيدية تقوم على وقف التنسيق الأمني، ومقاطعة الإقتصاد الإسرائيلي، وطي صفحة المفاوضات الثنائية العبثية والعقيمة تحت سقف أوسلو، وإستنهاض المقاومة الشعبية الشاملة وتطويرها ورعايتها وحمايتها، وتدويل القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، والمطالبة بالحماية الدولية للشعب وللأرض، وطلب العضوية العاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، والدعوة لمؤتمر دولي لحل القضية الفلسطينية برعاية مجلس الأمن والدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن ودول أخرى (بدلاً من الإنفراد الأمريكي المنحاز لاسرائيل)، تحت سقف قرارات الشرعية الدولية.
لقد إحتلت هذه القضية حيزاً هاماً على جدول أعمال الجبهة ومنظماتها الحزبية والجماهيرية، وبقيت بنداً ثابتاً على جدول أعمالها في الميادين السياسية والمجتمعية والفكرية، والثقافية والإعلامية، وفي داخل الهيئات الوطنية، وعبر العديد من التحركات الشعبية في المناسبات الوطنية وغيرها، ومع علاقاتنا العربية والأممية والدولية، ولسوف تبقى الجبهة تتحمل مسؤولياتها في هذا المجال، على طريق طي صفحة أوسلو، وإعتماد البرنامج الوطني الإئتلافي بديلاً، وإصلاح مؤسسات م.ت.ف، بما فيها المجلس المركزي.
•  التصدي لسياسة التلاعب بالحقوق الوطنية للفصائل الفلسطينية في الصندوق القومي، والتي حاولت القيادة السلطوية الرسمية أن تحولها إلى أداة إبتزاز سياسي ومادة للضغط على الجبهة [وعلى الجبهة الشعبية] لإضعاف دورها النضالي، وإخراجها عن خطها الوطني في معارضة إتفاق أوسلو وتداعياته السياسية والنقابية والإجتماعية والفكرية الثقافية، والتمسك بالبرنامج الوطني، وبصون الدور القيادي الجماعي للهيئات الوطنية، وصون مبادئ الإئتلاف الوطني ومبادئ الشراكة الوطنية والديمقراطية الائتلافية والتوافقية في مرحلة التحرر الوطني، بديلاً ورفضاً لسياسات الإحتكار والاقصاء الفوقية السلطوية والمادية والقمعية الفئوية في رسم القرار الوطني والاجتماعي وحمايته وتطبيقه تطبيقاً سليماً.
لقد خاضت منظمات الجبهة، وقيادتها معركة مشرفة، على المستوى الشعبي والوطني ضد هذه السياسة، وأكدت تمسكها بخطها الوطني، وبالبرنامج الوطني الفلسطيني، برنامج التحرر الوطني بتقرير المصير والدولة والعودة، برنامج العدالة الاجتماعية والحريات الديمقراطية، وحرصها على أداء دورها في صفوف شعبنا، لطي صفحة أوسلو الذي ألحق الكوارث بالمصالح الوطنية لشعبنا، ورفضها كل أشكال الإبتزاز ومحاولات التهميش. ورغم صعوبة الظروف التي عاشتها الجبهة، خاصة تأمين واجباتها نحو أسراها وعائلاتهم وعائلات شهدائها وجرحاها وكبار السن من مناضليها، والمتفرغين في المجالات المختلفة، وتأمين إحتياجات الآلاف من عائلات الرفاق النازحين من مخيمات سوريا، ومع ذلك أبدت الجبهة ومنظماتها وقياداتها تماسكاً ملحوظاً، ودفاعاً عن حقوق أبناء شعبنا في الوطن والشتات، ونجحت عبر الضغط الشعبي، في إعادة الأمور إلى نصابها، لتستعيد بعضاً من الحقوق الوطنية لمناضليها في الصندوق القومي في مرحلة التحرر الوطني، ووفق قرارات المجلس الوطني الفلسطيني.
وفي هذا الإطار، ستبقى الجبهة تناضل، على المستويات المختلفة، من أجل إصلاح أوضاع الصندوق القومي لمنظمة التحرير، بإعتباره صندوق الشعب الفلسطيني، ومؤسساته السياسية، وإتحاداته الشعبية والنقابية في الوطن والشتات واللجان الشعبية الناشطة في المخيمات، ودوائر الإختصاص في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، يرسم موازناته ومقررات مصروفاته وفقاً للإستحقاقات الوطنية، المجلس الوطني الفلسطيني، ويدير شؤونه مجلس إدارة من المستقلين، بعيداً عن سياسات التمييز السلطوي الفئوي والفساد، وأعمال التفرد والتهميش والمحاباة والتمييز الفاقع الفئوي بين المناضلين والشهداء والأسرى وفي مؤسسات السلطة.
•  الدعوة لعقد دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني، تقوم على الإنتخاب داخل الوطن المحتل وفي أقطار اللجوء والشتات وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل، يعقد في مكان يتم التوافق عليه بمشاركة الجميع، يتولى إقرار برنامج العمل الوطني الفلسطيني، مرة أخرى، وإعادة إنتخاب رئاسة جديدة للمجلس، واللجنة التنفيذية، ولجان المجلس، والمجلس المركزي، وإدارة الصندوق القومي الفلسطيني، ويتخذ بشأن ذلك القرارات اللازمة بما يعزز أوضاع م.ت.ف. بإعتبارها الجبهة الوطنية المتحدة للشعب الفلسطيني وقواه السياسية، والممثل الشرعي والوحيد لشعب فلسطين، وقائدة نضاله من أجل العودة وتقرير المصير والإستقلال.
وتؤكد الجبهة أن عقد المجلس الوطني هو استحقاق وطني تفرضه ضرورة كبح التآكل في مؤسسات منظمة التحرير وتصويب سياساتها. وأن السبيل إلى تلبية هذا الاستحقاق هو استئناف عمل اللجنة التحضيرية بقوامها الذي انعقد في بيروت في يناير 2017 والتئامها فوراً للبحث في العقبات التي حالت دون تطبيق القرارات التي توصل إليها اجتماعها الأخير وبلورة البدائل التي تتيح الإسراع في عقد المجلس بحيث يضم القوى الفلسطينية كافة وفي الموعد والمكان اللذين يتقرران بالتشاور الوطني وعلى قاعدة التوافق على نتائجه السياسية والتنظيمية.
• النضال من أجل تفعيل الإتحادات الشعبية والنقابات وإعادة تشكيلها على أسس ديمقراطية وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل، في المناطق الفلسطينية، وفي الشتات. ومما لا شك فيه أن تجربة فروع لبنان، لإتحادات المرأة والطلاب والعمال، تشكل نموذجاً يحتذى، حيث أعيد تشكيل الإتحادات الثلاثة، وإعادة بناء هيئاتها القيادية على قاعدة التمثيل النسبي، حيث إحتلت منظمات الجبهة، الموقع الثاني، بعد فتح، في الاتحادات الثلاثة، ما يؤكد أن المعادلات السياسية والتوازنات الوطنية، وفق مبدأ التمثيل النسبي، هي الطريق الديمقراطي نحو علاقات وطنية متكافئة، وهي الطريق نحو صياغة علاقات وطنية متوازنة، وفقاً للنفوذ الفعلي لكل فريق في ساحة العمل الوطني. إن تجربة منظماتنا الشعبية في لبنان، يجب أن تشكل نموذجاً يحتذى من قبل باقي منظمات الجبهة، حيث تأكد أنه لا حواجز وطنية حقيقية تحول دون تقدم الجبهة في المعادلات السياسية، وأن الأمر يبقى رهناً بالحرص على التنظيم والتفاني بالعمل، وتطوير دور الكادر والهيئات، ورسم آليات عمل سليمة، إن على صعيد الإدارة الداخلية، أو على صعيد رسم البرامج الجامعة في اليومي بين الوطني والإجتماعي، أو على صعيد بناء علاقات وطيدة مع الشرائح الإجتماعية لأبناء شعبنا، في الأقاليم كافة في الوطن والشتات.

سابعاً: قضية اللاجئين ووكالة الغوث
بقيت قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة إلى الديار والممتلكات  التي هجروا منها منذ النكبة 1948، على جدول أعمال الدوائر الإسرائيلية وبعض الدوائر الغربية، بهدف إنهاء هذه القضية، وإسقاط حق العودة وشطبه، لصالح المشاريع والسيناريوهات البديلة.
جرت المحاولة هذه المرة من بوابة إعادة النظر بوظائف وكالة الأونروا، وصولاً إلى تجفيف مواردها المالية، وحلها، وإحالة مهامها إلى الدول المضيفة، وإلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.
وقد إستقبلت ملايين اللاجئين، هذه المقترحات، كما أطلقها نتنياهو، بالتعاون مع الولايات المتحدة، في إطار تحضير المشهد لإستئناف العملية التفاوضية، برفض عارم، جددت فيه التمسك الثابت بحقها المشروع في العودة إلى الديار والممتلكات. كما شكلت هذه الدعوة الإسرائيلية ــ الأميركية، مدخلاً لتسليط الضوء على تراجع خدمات وكالة الغوث، وتراجع عمليات تمويلها من قبل الجهات والدول المانحة، خاصة تراجع تمويل الولايات المتحدة في ظل الإدارة الأميركية الجديدة. كما شكلت هذه الدعوة مدخلاً لتسليط الضوء على الدور المغيب لدائرة شؤون اللاجئين في م.ت.ف. وإنقطاع صلاتها مع المخيمات ومع المؤسسات الأهلية الناشطة في صفوفها.
ما يزيد من خطورة المشاريع المطروحة على أكثر من صعيد لإجهاض حق العودة وشطبه، مواقف القيادة السلطوية الرسمية وسياستها الملتبسة التي تصر على الربط بين قرارات الشرعية الدولية (194)، وبين مبادرة القمة العربية (بيروت 2002) والتي تصر على تفسير القرار 194 بإعتباره خياراً بين حق العودة وبين حق التعويض، في تفضيل للتعويض على العودة.
مازالت منظمات الجبهة، وعموم القوى الوطنية، وملايين اللاجئين، مدعوة لمواصلة خوض معركة الدفاع عن حق العودة ورفض التوطين، وعن مجمل قضايا اللاجئين، بما فيها حقهم في العيش الكريم، في مخيماتهم، في ظل تفعيل وتطوير عمل دوائر م.ت.ف، والدول المضيقة، ووكالة الغوث، كل في إطار إلتزاماته السياسية والقانونية والإنسانية والأخلاقية■

اللجنة المركزية  للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
  28 أيلول /سبتمبر-2 أكتوبر2017


2017-10-01
تعليقات على الخبــر
<
 
أضف تعـــليق
الإســـم
الدولــة
المديـنة
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
نص التـعليق
آخر الاخبار
Untitled Document
2017-10-19
2017-10-19
2017-10-19
2017-10-19
2017-10-19
2017-10-19
2017-10-19
2017-10-19
2017-10-18
2017-10-18
2017-10-18
2017-10-18
2017-10-18
2017-10-18
2017-10-18
2017-10-18
2017-10-17
2017-10-17
2017-10-17
2017-10-17
2017-10-17
2017-10-17
2017-10-17
2017-10-17
2017-10-17
2017-10-17
2017-10-16
2017-10-16
2017-10-16
2017-10-16
مختارات
Untitled Document
2017-10-01
أخبار الأســرى
Untitled Document
2017-10-14
2017-10-11
2017-10-09
2017-10-04
2017-09-27
2017-09-25
دراسات وتقارير
Untitled Document
ملــــف اللاجئــين
Untitled Document
2017-09-23
ملفات اسرائيلية
Untitled Document
2017-10-17
 
2017-10-14
 
مواقع صديقة
انت الزائر رقم