2017/08/20
| الرئيسية | من نحن ؟ | مقالات | مقابلات | دراسات وتقارير | متابعات | محليات | دوليات | ثقافة و فنون | مال وأعمال | راســـلنـــا |

[بقلم / إبراهيم العريس]
«مدينة الشمس» لكامبانيلا: من أفلاطون إلى الاشتراكيات الحديثة
 

كانت حياة رجل الدين المتنور، وبالتالي المشاكس، توماسو كامبانيلا حكاية تصلح في حد ذاتها موضوعاً لرواية تاريخية فريدة من نوعها، لا سيما أن سمات أفكاره بما فيها من تقلبات وضروب تردّد وإقدام وإحجام، تبعاً للأحداث، تصوّر خير تصوير إنسان عصر النهضة الذي كان قد بدأ يضيع بين ما يثقل كاهله ويكبله من تراث، وبين ما يمليه عليه عقله وثقافته في زمن كانت فيه الثقافة قد بدأت، بالنسبة الى حياة الإنسان اليومية على الأقل، تخرج عن تلك الوصاية الكلية الحضور والجبروت الذي تفرضه عليها الكنيسة، وغالباً بالنسبة الى المتنورين، على غير ما تنص عليه التعاليم الدينية الأصلية التي كانت تقول بلسان السيد المسيح: أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر. هكذا كان توماسو كامبانيلا إذاً في تلك الأزمنة المبكرة من نهوض الوعي الإنساني، بل يمكن القول أنه كان متقدماً على أزمانه يبدو في فكره ومشاكسته معاصراً لنا وعلى الأقل في رغبته في توكيد استقلاليته الفكرية، حتى ولو دفع حريته وحياته ثمناً لذلك. إنه نموذج للمثقف الحقيقي في كل زمان ومكان. وبالتالي صورة للعقل في تخبطه وتوقه البروموثي الى النور، فلا يجد غير النار مصيراً له هو الذي حمل النار ليضيء بها للإنسان مكانه ومكانته الحقيقية في مسيرة الحياة.
> والحال أن هذا كله، والذي قد يبدو للقارئ وكأنه من قبيل الكلام الشاعري الرومانسي، إن كان هذا القارئ غير ملم أصلاً بالظلمات التي كانت تكتنف الفكر والحياة في الأزمنة السابقة واللاحقة مباشرة للزمن الذي عاش فيه كامبانيلا. مهما يكن من أمر، يمكننا القول أن هذا كله يمكننا أن نجد خير تعبير عنه في ذلك الكتاب الذي لا تُذكَر المدن الفاضلة (اليوتوبيات) ولا سيما منها تلك التي تعود الى عصر النهضة، إلا ويذكر في مقدمتها. ومن هنا في إمكاننا أن نستخلص، وإن ضمن حدود، أن أفكار كامبانيلا في كتابه الذي نتناوله هنا كانت هي التي أسست على الأرجح لبعض أهم الأفكار الاشتراكية بل حتى الشيوعية الحديثة، في الوقت نفسه الذي كان يحذو فيه من ناحيته، حذو معلمه الأكبر أفلاطون في «جمهوريته» ومن ناحية ثانية، حذو سابقه المباشر في الزمن توماس مور في «يوتوبياه». الكتاب الذي نتناوله هنا هو طبعاً «مدينة الشمس» الذي وضعه توماس كامبانيلا وهو يعيش ذروة أزمة فكرية دفعته الى «اعتناق الجنون» مبدأ يتمترس خلفه عن كل وعي وإدراك على الأرجح، وتحديداً لكي يتخلص من حكم الكنيسة عليه بالإعدام.
> على أي حال، لا بد من الإشارة بادئ ذي بدء الى أن عالم توماسو كامبانيلا في «مدينة الشمس» عالم يختلف بعض الشيء عن تلك العوالم الخيالية التي يبتدعها عقل ويراع مفكرين جالسين في مكاتبهم المريحة يريدون الخير للإنسانية ويتصورونه في مدن يخترعونها وأفكار يبتكرونها تنتمي إما الى خيالاتهم الواسعة وإما الى حكايات غرائبية رويت لهم. عالم «مدينة الشمس» عالم أكثر ارتباطاً بالتجربة الواقعية حتى ولو كان أكثر خيالاً ومثالية من بقية «المدن الفاضلة»، ذلك أن توماسو كامبانيلا رسم عالمه انطلاقاً من محاولته الميدانية، لإقامة جمهورية اشتراكية في كالابريا، تطبق - حرفياً تقريباً - تعاليم أفلاطون في «الجمهورية» مع فارق أساسي، من شأنه أن يرضي عصرنا هذا، وهو أنه فيما تسمح «الجمهورية» الأفلاطونية ببقاء نظام العبيد، وسط هرمية تراتبية اجتماعية صارمة، تمنع «جمهورية» توماسو كامبانيلا في «مدينة الشمس» نظام العبودية، تاركة المجال واسعاً للعمل اليدوي، ولاسيما الزراعي، يمارسه أبناء المدينة، في وقت تعطي فيه السلطة لأصحاب العقل والمعرفة. «مدينة» كامبانيلا، إذاً، هي مدينة المعرفة والعمل اليدوي. مدينة تريد الإصلاح لا الثورة. تريد أن توصل الإنسان الى مجتمع عادل، من دون أن تخرج عن نطاق التعاليم الكنسية، وهذا واضح منذ العنوان الفرعي الذي وضعه كامبانيلا لكتابه: «حوار عن الجمهورية وفيه عرض لفكرة إصلاح الجمهورية المسيحية طبقاً للوعد الذي وعد به الله القديسة كاترينا والقديسة بريجيدا». ونص الكتاب هو عبارة عن حوار يدور بين زعيم طائفة فرسان «الهوسبيتالييه» وبحّار من مدينة جنوى يروي أنه زار خلال إحدى رحلاته مدينة مثالية تقع بالقرب من مكان يقال له تابروبان - عند خط الاستواء.
> وهنا على النحو الذي يرد في «يوتوبيا» توماس مور، الذي يتضح تأثر كامبانيلا به، شكليّاً على الأقل، يصف البحار مشاهداته في نوع من الرد على أسئلة الفارس الفضولية، ومن خلال إجابات البحار، ترتسم أمام الفارس صورة تلك المدينة. حيث يرسم كامبانيلا بالتالي صورة مثالية للحكم والسياسة، وذلك بعد أن يرسم طوبوغرافية المدينة (القائمة فوق تل)، ويبلغ قطرها أكثر من ميلين، وهي مقسمة الى سبعة كواكب (دوائر) يمر المرء من واحدها الى الآخر من خلال أربعة شوارع وأربع بوابات تتجه صوب الجهات الأربع من الأرض. وفي وسط المدينة على جبل، ثمة معبد للشمس كبير (يشبه معابد الأنكا). ويحكم المدينة راهب سام يطلق عليه السكان اسم «هوه» ويريد السكان بهذا الاسم أن يعنوا «الميتافيزيقي»، ويعاونه ثلاثة زعماء هم «القوة» (بدن) و «الحكمة» (سيف) و «الحب» (مور). وسكان المدينة يعيشون حياة فلسفية متكاملة، لا يخضعون فيها إلا لسلطان العقل، وفي مجتمع كل شيء فيه مشاع للجميع، كل وفق حاجته، بحيث لا وجود لأية ملكية خاصة ولا لأي فرز طبقي. يعمل الجميع هنا من أجل خير الجميع، ويرتدون الثياب نفسها. وفي هذه المدينة لا يمكن أحداً أن يأمل بأن يصبح حاكماً أعلى إلا إذا كان قد اكتسب أعلى درجات المعرفة والحكمة، ولاسيما في الفيزياء الطبيعية واللاهوت. والحياة الجنسية والزوجية تنظمها هنا قوانين واضحة تعطي الأفضلية للإنجاب. والمرأة تعمل مثل غيرها ولكن تناط بها الأعمال الأقل تطلباً للقوة الجسمانية. وكما أشرنا فإن العمل اليدوي هنا مقدس، وليس للتجارة أهمية كبيرة. وحين يخوض أهل مدينة الشمس الحرب، فإنما يخوضونها لمقارعة طاغية أجنبي أو لمساعدة شعب ضعيف مضطهد. ومن ناحية الحكم المباشر، يشارك كل السكان الذين يتجاوز عمرهم العشرين سنة، في اتخاذ القرارات المهمة واليومية، عبر اجتماعات دائمة... الخ.
> كتب توماسو كامبانيلا «مدينة الشمس» في نسختها الأولى، وهو في السجن، بعد أن حوكم في العام 1602 بسبب تمرده على الكنيسة وكذلك بتهمة الهرطقة والتآمر على إسبانيا، حيث حوكم وعذب من جانب محاكم التفتيش. يومها ساعده الجنون (أو ادعاء الجنون بالأحرى) على النفاد من الإعدام. ومن المعروف أن كامبانيلا، وهو داخل سجنه، بهر السجانين بمعارفه و «بقدرته على التنجيم» فساعده الحراس على تهريب نص «مدينة الشمس» الى الخارج. وكامبانيلا كتب النص أكثر من مرة، حيث إن ثمة أربع نسخ له اثنتان باللاتينية واثنتان بالإيطالية الدارجة.
> ولد توماسو كامبانيلا العام 1568 في مدينة ستيلو بمقاطعة كالابريا الإيطالية المتمردة دائماً، وهو سيم كاهناً في العام 1583، وسرعان ما وقع تحت تأثير الفيلسوف الإيطالي تاليزيو، ما جعله يذهب الى نابولي، من دون إذن من رؤسائه وينشر أول كتبه المهمة «البرهان على الفلسفة من طريق الحواس» (1591)، ومنذ تلك اللحظة بدأ يحل عليه غضب الكنيسة، وإن كان هو قد ظل متعلقاً بأهدابها حتى النهاية في لعبة شد وجذب مدهشة. المهم أنه اعتقل بعد ذلك مرة أولى وحوكم ثم أفرج عنه، وتوجه الى بادوفا حيث التقى العالم غاليلي ودافع عنه لاحقاً في نصّ صاخب. ومن جديد ألقي القبض عليه بتهمة المثلية الجنسية. وفي العام 1598، ومرة أخرى بعد إطلاق سراحه، توجه الى مسقط رأسه حيث حاول أن ينشئ جمهورية شعبية، وأضحى زعيم مؤامرة تود إطاحة الملكية الإسبانية. وهنا كشفت المؤامرة وتولت أمره محاكم التفتيش، فحوكم على كتب عدة ألفها وعلى نشاطاته وأودع السجن الذي بقي فيه هذه المرة 27 سنة كتب خلالها أشعاراً ونصوصاً لاهوتية. وحين أطلق سراحه وقد أضحى شيخا، حاول فرض آرائه على الكنيسة، ومن جديد هنا اتهم بالتآمر ضد الإسبانيين فاضطر الى الهرب الى فرنسا، حيث وضع نفسه في حماية لويس الثالث عشر ووزيره ريشيليو، وهناك مات مريضاً سؤوماً خائب المسعى في العام 1639.


2017-08-11
تعليقات على الخبــر
<
 
أضف تعـــليق
الإســـم
الدولــة
المديـنة
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
نص التـعليق
آخر الاخبار
Untitled Document
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-19
2017-08-19
2017-08-19
2017-08-19
2017-08-19
2017-08-19
2017-08-19
2017-08-19
2017-08-19
2017-08-19
2017-08-19
2017-08-19
2017-08-19
2017-08-19
مختارات
Untitled Document
2017-07-24
أخبار الأســرى
Untitled Document
2017-08-20
2017-08-20
2017-08-15
2017-08-15
2017-08-14
2017-08-13
دراسات وتقارير
Untitled Document
ملــــف اللاجئــين
Untitled Document
2017-07-31
ملفات اسرائيلية
Untitled Document
2017-08-20
 
2017-08-17
 
مواقع صديقة
انت الزائر رقم